السودان

أسواق كردفان ودارفور تحت القصف .. لماذا يستهدفون المدنيين؟

تقرير: راينو

مشاهد متكررة ومآسٍ مؤلمة يستيقظ عليها السودانيون يومياً جراء القصف المتكرر لأماكن تجمعات المدنيين في كردفان ودارفور وتحديداً الأسواق، في سيناريو متعمد أثار حيرة الكثيرين جراء مبرراته.

فمن أقصى أبيي إلى نيالا والجنينة، ومن الدبب إلى غبيش وكبكابية وطُرة، مناظر يُعاد تدويرها على مدار أربعة سنوات إلا قليلاً، أسواق محترقة ومحال محطمة وجثث متناثرة متفاوتة بين رجال ونساء وبين كهول وشباب وأطفال في كثير من الأحيان.. دوماً استهداف لتجمعات وأسواق في كردفان ودارفور وهجمات لا يستحي مطلقوها في إعلان نجاحهم في زيادة جراحات وطن بفقدان جديد كل صباح فقط ليحكم البرهان وحلفاؤه كما يرى البعض.. فلماذا يتم استهداف المدنيين؟

مشاهد ومحطات

آخر محطات الاستهداف كانت منذ أيام بسوق أبيي أو ما يعرف بسوق النعام حيث تم استهداف مستودع وقود استخدمته سابقاً قوات الدعم السريع، ليبلغ عدد الضحايا نحو 153 ضحية، بحسب ما نقلت العديد من التقارير الإعلامية.

قبل ذلك بأربعة وعشرين ساعة قصفت طائرة مسيرة موقفاً للمواصلات في سوق بمنطقة الدبب غرب كردفان متسببة في سقوط 80 شخصاً تم نقل بعضهم إلى المجلد لتلقي العلاج قبل أن يتوفى 30 شخصاً لاحقاً. في ذات الفترة زاد عدد ضحايا استهداف سوق المواشي بنيالا ليصل عدد الوفيات إلى 39 قتيلاً..

أغسطس شهر لم تكن نيرانه بردا وسلاماً على السودانيين في تلك المناطق، فشهد قصف طائرة مسيّرة سوق أديكونق الحدودي مع تشاد للمرة الخامسة منذ بداية العام، فسقط قتلى وجرحى بينهم مواطنون تشاديون، وقالت الإدارة المدنية في غرب دارفور إن الهجوم وقع في ذروة تجمع التجار والمواطنين، وإن الحريق أدى إلى تفحم عدد من الجثث.

وفي الثالث من ذات أغسطس سقط 40 مدنياً، بينهم نساء وأطفال، في قصف بطائرات مسيّرة استهدف سوق غراء الزاوية ومقر المحكمة شمال دارفور. أما في السابع من يونيو فقد قتلت طائرة مسيّرة 16 مدنياً في سوق أبو زعيمة بمحلية حمرة الشيخ شمال كردفان، بعد يوم واحد فقط من هجمات مماثلة على قريتين أخريين.

في العشرين من مايو، ارتفعت حصيلة القصف على السوق الشعبي في مدينة غبيش غرب كردفان إلى 37 قتيلاً و49 جريحاً. وفي الخامس من مايو قتل 10 مدنيين، معظمهم نساء وأطفال، في قصف بطائرة مسيّرة على سوق بليلة بمحلية الكرمك في النيل الأزرق، إلى جانب تجمع عند مورد مياه..

وفي الثامن من مارس قتل 33 شخصاً على الأقل في قصف بمسيّرتين على سوقين في بلدتين بولاية غرب كردفان. أما في الرابع من يناير، فقد تحدثت قوات الدعم السريع عن مقتل أكثر من 64 مدنياً، بينهم كوادر طبية، في قصف استهدف مستشفى الزُرُق وسوقاً في منطقة غرير شمال دارفور..

موروثة ومرحلة

رحلة الآلام لم تكن حكراً على العام الجاري، وتبدو مرحلة وموروثة من العام الماضي ففي الخامس والعشرين من ديسمبر 2025، اتُهم الجيش باستهداف سوق للوقود في نيالا. وفي الرابع والعشرين من سبتمبر من العام نفسه، قتل ما لا يقل عن 15 شخصاً في قصف على سوق داخل مدينة الفاشر المحاصرة.

أما في الخامس والعشرين من مارس 2025 تم توثيق مقتل ما لا يقل عن 54 مدنياً، أكثر من نصفهم نساء، بحسب منظمات محلية ووكالات دولية في غارة على سوق طُرة شمال الفاشر. حينها انتشرت مشاهد الجثث المحترقة على نطاق واسع، بينما سارع جيش البرهان إلى نفي استهداف المدنيين.

وفي التاسع من ديسمبر 2024 تعرض السوق الأسبوعي في كبكابية لقصف جوي أسفر عن مقتل عشرات المدنيين، بينهم 15 نازحاً. منظمة العفو الدولية وصفته بأنه «أحد أوضح أمثلة جرائم الحرب». وقبلها بأسابيع، في الرابع من أكتوبر 2024، تحدث شهود عن مقتل أكثر من 80 مدنياً في غارة على سوق الكومة شمال دارفور.

رحلة العودة للوراء تكشف أنه ومن انطلاق الحرب لم يكن المدنيون بعيدين عن مرمى نيران الطرفين، بيد أن سيناريو التعمد بدا مؤكداً في كل قصف أو هجوم يوجهه الجيش ناحية دارفور وكردفان كما تقول الوقائع المكانية والزمانية التي دوماً ما تصادف تجمعات لأسواق.

لماذا تتكرر الهجمات على الأسواق؟

تحليلات كثيرة تسعى لتفكيك الظاهرة الغريبة والموصوفة بالمريبة التي تحكي عن تعمد، التي تغطي معظم، مع سبق الإصرار والترصد في استهداف مواطني مناطق كردفان ودارفور في تجمعاتهم وأسواقهم، لتطرح سؤالاً ملحاً: لماذا تتحول الأسواق، وهي أكثر الأماكن اكتظاظاً بالمدنيين، إلى أهداف متكررة للجيش؟

أسهل الإجابات وأسرعها تلك التي ترى بأن تلك الهجمات تستهدف الحواضن الاجتماعية لقوات الدعم السريع، وأن الأمر لا يعدو سوى انتقام مستبطن لدى قيادة الجيش المنتمية أو التي يسيطر عليها مكونات اجتماعية أخرى من خارج الإقليمين، فضلاً عن أن الجيش وحلفاءه يضربون ما يعتبرونه مواقع لوجستية أو نقاط إمداد. ويذهب المحلل السياسي عمر سفيان سالم في حديثه لـ«راينو» إلى أن الأمر أعمق من فكرة الانتقام السطحية، ويشدد على أن الهدف الحقيقي هو محاولة إخراج مكونات اجتماعية من معادلة الصراع بحسابات أن هذه المجموعات تمثل بالأصل أكبر سوق موجود في السودان، وقال: «مما لا شك فيه أن المكونات الاجتماعية في كردفان ودارفور تمثل أكبر سوق اقتصادي بالبلاد، بالتالي إخراجهم من المعادلة عبر ضرب الأسواق من جهة وتجمعاتهم من جهة أخرى، يفرض على التجار البحث عن أسواق بديلة، الأمر الذي يتوفر في الخرطوم التي تعاني من شح في كل شيء وتعتمد على الولايات المنتجة لتعيش ويعيش مواطنوها، بالإضافة إلى ما يوفره ذلك للسلطة نفسها من مدخلات سواء بالضرائب أو بغيره من أوجه الفساد التي يمهر فيها البرهان وشركاؤه».

ويرى سفيان أن ذلك يرفع الحرج عن سلطة الأمر الواقع لجهة أن ذلك يجعل الأسواق أمام المواطنين لا تعاني من ندرة وفي نفس الوقت يخلق شحاً في السلع والخدمات بالمناطق المقصوفة ويزيد الأسعار، مما يؤثر على وتيرة نموها الاقتصادي، وأضاف: «وجود مناطق في السودان تحت قيادة الدعم السريع الدولار لا يتجاوز الأربعة آلاف جنيه في مقابل مناطق سيطرة الجيش التي يتجاوز فيها الدولار العشرة آلاف يعني ببساطة فشل البرهان وشلته في كل شيء، ما يجعل رد الفعل هو محاولة إفشال مناطق الدعم السريع وجعلها غير مستقرة اقتصادياً واجتماعياً والأخيرة عبر الفتن والمؤامرات التي تحيكها الاستخبارات العسكرية، وذلك في سبيل إثبات جدارة غير مستحقة وشرعية مفقودة ليحكم البرهان السودان».

من جانبه يرى المحلل السياسي الرشيد حسب الرسول في حديثه لـ«راينو» أن الهدف الحقيقي قطع الطريق على أي مشاريع هدن يمكن الوصول إليها، وقال «استهداف المدنيين ظل سمة بارزة للحرب منذ يومها الأول»، مشيراً إلى تصاعد وتيرة الهجمات على المدنيين والأعيان المدنية من طرفي الصراع كلما أحرزت مبادرات الهدنة الإنسانية أو جهود وقف الحرب تقدماً. وأوضح أن هذا التصعيد يسهم في توليد مشاعر الغبن والاحتقان وسط المواطنين، ويعمّق حالة العداء بين الأطراف، بما يضع عراقيل أمام المبادرات الرامية إلى وقف الحرب، ويقلل فرص الوصول إلى هدنة إنسانية تخفف معاناة المدنيين..

الرؤية الأخطر

من جانبه يرى مدير المركز السوداني للإعلام الديمقراطي، موسى رحومة، أن ضرب الجيش للأعيان المدنية يستهدف إيصال رسالة إلى المواطنين في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع مفادها أن هذه المناطق غير آمنة، بما يدفع السكان إلى الهجرة نحو الخارج، أو الانتقال إلى مناطق سيطرة الجيش، تمهيدًا لإخلاء الأرض والسيطرة عليها. وأضاف أن هذه الهجمات تسعى إلى ترسيخ صورة جهة واحدة تحتكر العنف وتملك اليد الطولى، تتمثل في الجيش، عبر استهداف المجتمعات المحلية.

واستدل رحومة، في حديثه لـ«راينو»، بمقطع فيديو للبرهان خلال زيارته الولاية الشمالية قبل يومين، قال فيه، بحسب رحومة، إنهم سيستهدفون أنصار الميليشيا، بما يشمل القوى المدنية الديمقراطية والحاضنة الاجتماعية لقوات الدعم السريع.

وأشار رحومة إلى أن هجمات المسيّرات خلال الأيام الأربعة الماضية خلّفت آثارًا إنسانية واجتماعية ونفسية، موضحًا أن الهجوم على سوق النعام أدى إلى موجة نزوح كبيرة، قدّرها بنحو 8 آلاف شخص، أي أكثر من 120 أسرة، كما تحدث عن ارتفاع عدد الضحايا إلى 315 حتى فجر اليوم، وفق الأرقام التي أوردها.

وأضاف أن الهجمات تسببت في نزوح واسع نحو المناطق الريفية، بما فيها المجلد والدبب، كما أشار إلى آثار اجتماعية أعقبت ضرب سجن الضعين وإطلاق سراح عدد من السجناء، بحسب روايته.

وذكر رحومة أن هجومًا استهدف، في منتصف نهار اليوم، منطقة القضية، وأسفر عن مقتل 16 مدنيًا، بينهم سيدتان وخمسة أطفال، على أطراف السوق.

وفي تفسيره لطبيعة الهجمات، قال رحومة إن الجيش لا يسيطر على أسلحة المسيّرات، واتهم تيارات من كتائب الإسلاميين سواء في القاعدة العسكرية بكرري، أو في شمال كردفان، بالسيطرة على غرف التحكم والتوجيه والاستهداف الخاصة بالمسيّرات التركية من طراز «أكانجي»، وأضاف أن عمليات الإمداد والتوجيه وتحديد الأهداف، بحسب قوله، تُدار بواسطة أفراد ومجموعات لا يعلم بعض أفراد الجيش عنها شيئًا.

واتهم رحومة مجموعات إسلامية مرتبطة بكتائب جهاز الأمن وهيئة العمليات المحلولة، التي قال إنها أُعيدت، بتولي إدارة عمليات المسيّرات والسيطرة عليها والتوجيه، معتبرًا أن الجيش أصبح غطاءً لمجموعات من التيارات الإسلامية، لكل منها أجندتها الخاصة.

وربط رحومة بين هذه التطورات والتحولات في العلاقة مع المجتمعات المحلية في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع، مشيرًا إلى قبائل الرزيقات والمسيرية والحوازمة، التي قال إنها شكّلت تاريخيًا حاضنة اجتماعية وخزانًا بشريًا للتجنيد في الجيش. واعتبر أن تحول هذه المكونات إلى جهة معادية، وفق تصوره، يدفع تلك التيارات إلى استهدافها وإزاحتها من الوجود، خشية أن تتحول إلى قوة متماسكة تنافسها على السلطة مستقبلًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار