كارثة جديدة حلت على رؤوس السودانيين، الأحياء منهم والعائدين إلى البلاد، بفعل تفجر أزمة الكهرباء وانقطاع التيار عن المنازل والأحياء، وتطاول ساعات غياب الإمداد في المدن والقرى، فضلاً عن خلقها أزمة اقتصادية كبيرة تتخلل تفاصيل الحياة اليومية وما تحتويه من احتياجات في القطاعات الخدمية والصناعية والزراعية. فالكهرباء أساس مدخلات الإنتاج والخدمات، ولا يتوقف تداعي انعدامها عند حدود المؤسسات والمصانع التي فقدتها، بل يمتد إلى ما بعد ذلك، ليصل إلى أسعار السلع والخدمات وتكاليف المعيشة.
قطاع الكهرباء إلى العصر الحجري
تعرض قطاع الكهرباء لخسائر فادحة منذ اندلاع حرب أبريل 2023م، وتدمرت محطات التوليد والتحويل وخطوط النقل والتوزيع والمحولات، فضلاً عن تعذر توفير الوقود وقطع الغيار وتكاليف الصيانة. وبحسب تقارير إعلامية رصدتها «راينو»، تضرر نحو 15 ألف محول كهربائي، وفقدت البلاد ما يقارب 1500 كيلومتر من خطوط النقل. وشملت خسائر السودان في قطاع الكهرباء أيضاً فقدان أحد مصادر الإمداد الخارجي، بعد توقف الكهرباء المستوردة من إثيوبيا في يوليو 2026م، وهي إمدادات كانت تمثل مورداً مهماً للشبكة القومية. وبذلك أصبحت الأزمة مرتبطة باختناقات متعددة تشمل التوليد والنقل والتوزيع، فضلاً عن صعوبة إعادة تأهيل المنشآت المتضررة.
ويذهب الخبير الاقتصادي د. محمد الناير، في حديثه لـ«راينو»، إلى أن أزمة الكهرباء تلقي بظلالها على مختلف القطاعات الاقتصادية في السودان، وفي مقدمتها القطاعات الإنتاجية، بما فيها القطاع الزراعي بشقيه النباتي والحيواني، والقطاع الصناعي، فضلاً عن القطاعات الخدمية، مشيراً إلى أن تداعياتها تمتد إلى الخدمات الحيوية في المستشفيات ومحطات المياه، وتؤثر بصورة مباشرة على حياة المواطنين.
وأضاف الناير أن انقطاع الكهرباء يفاقم أعباء المواطنين، خاصة في ظل تزامنه مع ارتفاع أسعار النفط عالمياً، وما يترتب على ذلك من زيادة أسعار المشتقات النفطية في السوق المحلية، الأمر الذي ينعكس بدوره على تعرفة المواصلات وتكاليف الإنتاج والخدمات.
المولدات ترفع سعر الرغيف
وتظهر آثار هذه الأزمة بصورة مباشرة في قطاع المخابز، الذي يرتبط استمرار إنتاجه بالكهرباء، لا سيما في تشغيل ماكينات العجن والأفران. وأدت الانقطاعات المتكررة إلى اضطرار المخابز لتشغيل المولدات لفترات طويلة، واستهلاك المزيد من الوقود وقطع الغيار، ما ضاعف تكلفة إنتاج الخبز، ودفع سعر القطعة الواحدة في منتصف الشهر الماضي إلى 500 جنيه، وسط توقعات لرئيس اتحاد المخابز بوصولها إلى نحو ألف جنيه، في ظل انقطاع الكهرباء لفترات تصل إلى 12 ساعة، فيما نقلت تقارير أخرى أن تكلفة تشغيل المولدات بلغت نحو 400 ألف جنيه يومياً. وتضاعف هذه الأعباء معاناة المواطنين، وتفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي التي تتداولها المنظمات الدولية.
الوقود والمواصلات .. أعباء ثقيلة
ولعل من الآثار المترتبة على عدم استقرار الإمداد الكهربائي زيادة الاعتماد على المولدات التي تستهلك الوقود، في وقت يعاني فيه قطاع المواصلات أصلاً من ندرة الإمدادات النفطية. وقد انعكس ذلك في تنامي السوق السوداء للوقود، وبالتالي زيادة تعرفة المواصلات لتغطية تكاليف تشغيل المركبات، وهو ما يضيف عبئاً جديداً على المواطنين، فضلاً عن ارتفاع تكاليف نقل السلع من مناطق الإنتاج إلى الأسواق، بما ينعكس بدوره على أسعارها.
الري تحت رحمة الوقود
مسلسل معاناة السودانيين لم يقف عند تداعيات الكهرباء على المواصلات والخبز، بل امتد إلى القطاع الزراعي، حيث تدخل الكهرباء في عمليات الري والإنتاج وزراعة المحاصيل وفقاً للدورات الزراعية المفترضة، بما يوفر الغذاء للسودانيين أو نسبة كبيرة منه. وفي الوقت الذي تعتمد فيه مشروعات زراعية كبيرة، خصوصاً المشروعات المروية، على الكهرباء في عمليات الري، تصبح المحصلة، في ظل الانقطاع المتكرر، تعثر عمليات الزراعة والإنتاج، بما يفتح المجال أمام تفاقم أزمة الغذاء والمجاعة المعلنة دولياً، والمنفية من حكومة البرهان. وفي المقابل، يؤدي اللجوء إلى المولدات إلى زيادة استهلاك الوقود، بما ينعكس على تكلفة الفدان ويرفع أعباء الإنتاج الزراعي.
وطبقاً لتحليل مشترك لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومركز التجارة الدولية، صدر في أغسطس الماضي ورصدته «راينو»، تراجعت إنتاجية نحو 90% من المزارعين والمجموعات المنتجة الذين شملهم المسح مقارنة بالعام السابق، مع ارتفاع تكاليف المعاملات بما يصل إلى 40%. وهذه الأرقام تعكس أزمة القطاع الزراعي عموماً، ولا يمكن إرجاعها إلى الكهرباء وحدها، لكنها توضح حجم الضغوط التي تضيف إليها أزمة الطاقة أعباء جديدة.
توقف الإنتاج وتراجع فرص العمل
وتمتد تداعيات أزمة الكهرباء إلى القطاع الصناعي، الذي يعتمد بصورة أساسية على الطاقة في تشغيل خطوط الإنتاج، رغم ما تعرض له من تدمير منذ بواكير حرب أبريل بفعل قصف الطيران الحكومي. ويهدد انقطاع الكهرباء المصانع القائمة، ويزيد تكاليف إنتاج السلع الأساسية، كالغذاء والدواء، بما يضعف قدرتها على المنافسة، ويهدد مصادر أرزاق العمال، ويعرقل جهود إعادة الإعمار والاستثمار، فضلاً عن زيادة الاعتماد على السلع المستوردة في ظل تراجع الإنتاج المحلي.
الأسواق .. حدث ولا حرج
وطبقاً لرصد «راينو»، فإن الأزمة تتجلى بصورة أوضح في الأسواق ومحال بيع الأغذية واللحوم والألبان والأدوية، حيث يؤدي انقطاع الكهرباء إلى تعطل الثلاجات وأجهزة التبريد، ويضطر التجار إلى تشغيل المولدات أو تقليل الكميات المخزنة تجنباً للتلف، فضلاً عما ينتج عن ذلك من تقليص الكميات المعروضة، الأمر الذي يسهم، بشكل أو بآخر، في زيادة الأسعار، ويضاعف الأعباء على المستهلكين، الذين يواجهون أصلاً تراجعاً في قدرتهم الشرائية.
البنوك والاتصالات والمستشفيات.. خدمات بالمتاح
وتتعاظم الكارثة مع تزايد حرمان المواطنين من الحصول على الخدمات التي يحتاجون إليها، وهو ما يتجلى بوضوح في الخدمات المصرفية، نتيجة الاعتماد المتزايد على السداد والدفع الرقمي، في ظل مخاوف النهب وصعوبة الحصول على النقد «الكاش»، وهو ما يبرز أيضاً في قطاع الاتصالات.
وبحسب إفادات متداولة، تستمر انقطاعات الكهرباء لفترات طويلة، ما يدفع البنوك وشركات الاتصالات إلى تشغيل مولدات كبيرة لتأمين استمرار خدماتها، الأمر الذي يضاعف تكاليف التشغيل والصيانة، فضلاً عن احتمالات تعطل الخدمات أو تأخر تقديمها للمواطنين في اللحظة التي يحتاجون إليها فيها، سواء في إجراء التحويلات المالية أو استخدام التطبيقات المصرفية أو إجراء الاتصالات والوصول إلى الإنترنت.
وفي السياق، يمتد تأثير انقطاع الكهرباء إلى المستشفيات والمراكز الصحية -على قلتها- التي تضطر إلى تشغيل المولدات لضمان استمرار عمل غرف العمليات والعناية المكثفة وأجهزة الأوكسجين وحفظ الأدوية واللقاحات والدم، ما يرفع استهلاكها من الجازولين ويضاعف تكاليف التشغيل في ظل صعوبة الحصول على الوقود وارتفاع أسعاره. كما أن أي نقص في الإمدادات أو تعطل المولدات يهدد استمرارية الخدمات الطبية وسلامة المرضى، ويضع الأطباء أمام أعباء إضافية تفوق قدراتهم، خصوصاً مع تنامي تهديد فقدان الحيوات بسبب عصر الظلام الذي دخله السودان.
ويرى الاقتصادي د. عصام علي حسين، في حديثه لـ«راينو»، أن انقطاع التيار الكهربائي له تأثير مباشر على الخدمات الصحية والتشخيصية، وحفظ الأدوية واللقاحات التي تحتاج إلى تبريد وتكييف مستمر، كما يؤثر على عمل البنوك ويؤدي إلى شلل الخدمات المصرفية، وتتوقف المحافظ الإلكترونية والخدمات المالية الرقمية، والتي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بخدمات الإنترنت، حيث تعتمد أبراج شبكات المحمول والسنترالات الأساسية على الكهرباء، وقد يؤدي انقطاعها إلى تراجع خدمات شبكات المحمول وخدمات الإنترنت.
رؤى وحلول
من جانبه، اعتبر الاقتصادي محمد الناير أن التوسع في استخدام الطاقة الشمسية يمثل أحد الحلول الناجعة والمجربة لمواجهة الأزمة، لا سيما أن استهداف محطات التوليد الكبيرة قد يستمر، بينما يمكن للمشروعات الزراعية الصغيرة والمتوسطة الاعتماد على أنظمة الطاقة الشمسية لتشغيل مضخات الري وتوفير احتياجاتها من الكهرباء. وأشار إلى أن هذا الخيار أثبت نجاحاً كبيراً، كما شهد القطاع السكني انتشاراً ملحوظاً لاستخدام الأنظمة الشمسية.
وشدد الناير على أن نجاح هذا التوجه يتطلب تدخلاً مباشراً من الدولة لخفض أسعار أنظمة الطاقة الشمسية وجعلها في متناول المواطنين والمنتجين، موضحاً أن إعفاء مدخلات الطاقة الشمسية المستوردة من الرسوم الجمركية والضرائب والقيمة المضافة، رغم أهميته، لا يكفي وحده لتحقيق ذلك، بل ينبغي أن تتولى الدولة استيراد هذه الأنظمة أو توفيرها عبر شركات متخصصة وطرحها بأسعار معقولة.
ودعا المصارف إلى فتح أبواب التمويل الأصغر لتمكين المواطنين من تركيب أنظمة الطاقة الشمسية في المنازل، وتوسيع التمويل ليشمل المشروعات التجارية والصناعية والزراعية. وأوضح أن مبلغ 15 مليون جنيه لا يكفي إلا لشراء منظومة صغيرة لمنزل محدود الاحتياجات، بينما تتطلب المحال التجارية والمشروعات الزراعية والصناعية أنظمة أكبر وتمويلاً يتناسب مع قدراتها واحتياجاتها التشغيلية.
وأكد أهمية توظيف التمويل الأصغر في دعم انتشار الطاقة الشمسية، بالتوازي مع تهيئة الظروف لاستيراد المعدات وطرحها بأسعار مناسبة، خاصة في ظل الانخفاض الكبير في قيمة الجنيه السوداني، وما ترتب عليه من تراجع القدرة الشرائية للمواطنين.
وفي سياق متصل، أشار الناير إلى أن التوسع في بدائل الطاقة لا ينبغي أن يؤدي إلى تجاهل مسؤولية الدولة عن إصلاح محطات الكهرباء التي تعرضت للاستهداف والتدمير، داعياً إلى وضع ترتيبات وسياسات عاجلة لإعادة تأهيلها وتأمينها، والعمل على صيانة خطوط النقل وتوصيل الشبكة القومية، إلى جانب توفير الحماية اللازمة للمحطات من الهجمات والاستهداف.
وختم الناير بالتأكيد على ضرورة الجمع بين ثلاثة مسارات متكاملة: إعادة تأهيل محطات التوليد والشبكة القومية، والتوسع في استخدام الطاقة الشمسية والبدائل المتاحة، وتوفير التمويل والحماية اللازمة للبنية التحتية الكهربائية، باعتبارها حلولاً متوازية لا يغني أحدها عن الآخر.
ذات الأمر يعززه د. عصام علي حسين بقوله إنه لا شك في أن انقطاع التيار الكهربائي له تداعيات سلبية مباشرة وواسعة على مختلف القطاعات الإنتاجية، حيث تُعد الطاقة الكهربائية الركيزة الأساسية لاستمرار العمليات التشغيلية لأغلب المشاريع الإنتاجية والخدمية، وبالتالي فإن انقطاع التيار الكهربائي يؤدي إلى توقف خطوط الإنتاج، وربما يكون القطاع الزراعي والصناعي من أكثر القطاعات الإنتاجية تأثراً بانقطاع التيار الكهربائي. حيث أصبحت الزراعة الحديثة تعتمد بشكل كلي على الكهرباء في عمليات الري وفلاحة الأرض (المشاريع المكهربة)، وبالتالي فإن انقطاع التيار يؤدي إلى تعطل أنظمة الري، ومن ثم تلف المحاصيل. ، واضاف: كما يتوقف الإنتاج الصناعي أيضاً، لا سيما الصناعات التحويلية والغذائية.
واعتبر عصام قطاع المخابز وإنتاج الخبز من أكثر القطاعات تأثراً بانقطاع التيار الكهربائي والتي أصبحت تعتمد اعتماداً كلياً على الكهرباء في كل مراحل إنتاج الخبز، وبالتالي فإن انقطاع التيار يعيق إنتاج الخبز. وتابع: ربما تضطر العديد من القطاعات الإنتاجية إلى البحث عن مصادر بديلة لإنتاج الطاقة مما يزيد من تكلفة الإنتاج ويؤدي إلى تقليص السعة الإنتاجية، وبالتالي زيادة أسعار السلع والخدمات، خاصة في ظل ندرة الوقود أو ارتفاع أسعاره. وبالتالي فإن الاعتماد على البدائل يزيد من تكاليف الإنتاج ويقلص السعة الإنتاجية، مما يؤدي إلى زيادة الأسعار والأعباء المعيشية ومعدلات التضخم.