عادل ود سهل يكتب… بكاءٌ على الأطلال… لا يريد أن يبكي. “دمعة على الخرطوم الجميلة… خرطوم اللاءات الثلاث.”
لم تكن الخرطوم يوماً مجرد مدينة على ملتقى النيلين… كانت وعداً.
كانت المدينة التي تستيقظ على صوت المكانس… تغسل شوارعها بالماء والصابون. لا على صوت المدافع تكنس أرواح أبنائها.
وكان جنيهها – قبل أن يهزمه الزمن- فارساً مغواراً. يوازي أكثر من ثلاث دولارات… في زمنٍ لم تكن فيه بقعٌ كثيرة في المنطقة قد سُمعت بعدُ أن لها عملة من أي نوع.
كانت الخرطوم تُصدِّر العقول لا الرصاص. تُعلِّم لا تتعلّم. مدينةً تُستعار منها الأحلام. تُصدِّر الخبرات والعلماء… لا اللاجئين. وحين أقف اليوم أمام ركام المشهد. لا أكتب لأبكي على الأطلال بكاء العاجز. ولا لأنسج مرثية جديدة تُضاف إلى سجلات الوجع السوداني.
أنا أكتب للتاريخ… والتاريخ لا يُكتب بالدموع وحدها… بل بالحقائق التي لا تقبل التزييف. وبالأرقام التي عاشها جيلٌ ما زال بيننا يذكر… كيف كان الوطن قامةً، ومرفوع الهامة.
الحكاية لا تبدأ من صوت المدافع الذي شقّ صمت المدينة… ولا من غبار النزوح الذي أثقل خطى أطفالها. بل تبدأ من صورةٍ أقدم وأعمق… يوم كانت تستيقظ على رائحة الماء، يغسل الأسفلت مع إشراقة كل فجر.
سيمرّ على هذه السطور من شهدوا تلك المرحلة. سيصححون اسماً. يدققون في تاريخ. أو يعيدون ترتيب رقم… ولهذا أضع قلمي في مهب الأمانة التوثيقية. أستحضر بها خرطوم اللاءات الثلاث.
إنها لم تكن مجرد مدينة… بل كانت فكرةً وعصراً كاملاً. ولعلّ الجملة التي ستبقى حيةً في ذاكرة هذا العصر. وتظل مفتاحاً لكل ما سنرويه هنا. هي شهادتي للأيام، التي هزت وجدان كل مواطن سوداني، عندما كتبتها في مقالي السابق، وقلت:
“كان السودانيون يسافرون يومها لأن العالم كان يحتاج إليهم… لا لأنهم كانوا يحتاجون إلى العالم.”
هذه ليست جملة في مقال… هذه شهادة على عصر كامل. تأكيدٌ للتاريخ الذي سنُعيد به بناء ما تهدّم. لا مرآةً نبكي فيها على ما فات.
مدينة كانت تسبق زمانها لم تكن الخرطوم تبني نفسها على العجل… بل كانت تُشيَّد كما تُشيَّد الأساطير: حجراً حجراً… ومؤسسةً مؤسسة. عاصمةً يُقاس عليها… لا عاصمةً تُقاس على غيرها.
الجنيه الذي يحكم الأسواق: خذ الجنيه أولاً… فهو ليس مجرد عملة. بل شاهد عيان على سيادة وطن. في حقبة الحكم العسكري الأول وفي ستينيات القرن الماضي وحتى بداية السبعينيات. ظل الجنيه السوداني رمزاً لقوة الاقتصاد ومتانة الغطاء النقدي. لم يكن للتداول الفعلي بالدولار وجودٌ يُذكر في السوق… لأن من يملك عملته لا يحتاج عملة غيره. كان الجنيه الواحد يُعادل نحو 3.48 دولار أمريكي (تحديداً قبل قرار فك ارتباط الدولار بالذهب عام 1971م). جنيهٌ واحد… وثلاثة دولارات تنحني له! كانت قوته الشرائية تمنح المواطن السوداني كرامته وعزته داخل وطنه وخارجه. تشتري به ما تشاء، وتطوف به العواصم وأنت مرفوع الرأس. هل يُصدَّق هذا اليوم، ونحن نعدّ الأصفار في سعر الصرف كما نعدّ جراح الوطن؟
جامعة الخرطوم… الجميلة ومستحيلة: خذ ثانياً جامعة الخرطوم… التي لم تولد جامعة بين عشية وضحاها. بل بدأت كمدرسة صغيرة عام 1902م باسم “كلية غوردون التذكارية” على يد اللورد كتشنر. مُوِّل إنشاؤها بتبرعات جُمعت من أرجاء الإمبراطورية المترامية: من بريطانيا إلى أستراليا وكندا ونيوزيلندا ومصر والهند… العالم كله ساهم في بناء منارة. ولم يكن يعلم أنه يبني للسودان عقلاً سيُصدَّر لاحقاً إلى العالم! تطورت عبر عقودٍ من التميز الأكاديمي والارتباط التوأمي بمعايير جامعة لندن الصارمة. وحين استقل السودان عام 1956م. كانت أول كلية إفريقية ترتبط بجامعة لندن تفكّ ذلك الارتباط. وتقف على قدميها، جامعةً مستقلة تمنح شهادتها الخاصة. لتُلقب بحق “جمال إفريقيا وجميلتها”. خرّجت العلماء. والأطباء. والقضاة. والأدباء الذين قادوا نهضة الدولة السودانية والعديد من دول المنطقة. وكان خريجها يُمثّل معياراً للكفاءة والأخلاق أينما حلّ وارتحل.
مشروع الجزيرة: عملاق الزراعة خذ ثالثاً مشروع الجزيرة… أعجوبة الري الانسيابي التي لم يكررها أحد بهذا الحجم والعبقرية في القارة الإفريقية. أُسِّس عام 1925م بين النيلين الأزرق والأبيض على مساحة تتجاوز 2.2 مليون فدان. تسقيها ترعة رئيسية واحدة بطول 323 كيلومتراً تمتد من سد سنار حتى مشارف الخرطوم. وتخدمه شبكة سكة حديد داخلية تمتد لأكثر من 1300 كيلومتر. وهي أطول شبكة نقل حقلية من نوعها في إفريقيا. كان هذا المشروع يمدّ البورصات العالمية – وعلى رأسها بورصة ليفربول – بأجود أنواع القطن طويل التيلة. وكان المنسكب الرئيسي للعملة الصعبة في خزانة الدولة السودانية. وحين قرر السودانيون تأميم إدارته عام 1950م. تولى الإدارة مكي عباس كأول محافظ سوداني عام 1955م. وبحلول عام 1956م اكتملت “سودنة” كل وظائف المشروع الإدارية والفنية. لم ننتظر أحداً ليُعلّمنا كيف نُدير حقولنا… أدرناها بأيدينا في اللحظة ذاتها التي رفعنا فيها العلم. فأثبت السوداني أنه مزارعٌ ومهندسٌ ومديرٌ على أعلى طراز.
السكة الحديد والبريد: شرايين الدولة: خذ رابعاً السكة الحديد… هذا الشريان الذي مدّ الحديد في جسد الصحراء ليكون دماً يتدفق لا عوائق. بدأت الخطوط تتمدد عام 1897م. وصلت عطبرة في يوليو 1897م. ثم حلفا في نهاية 1899م. واكتمل معظمها قبل عام 1930م. لتصبح أكبر شبكة سكك حديدية في القارة الإفريقية كلها. امتدت قضبانها من الحدود المصرية شمالاً إلى دارفور غرباً. ومن بورتسودان على البحر الأحمر إلى “واو” جنوباً. كانت تنقل 90% من صادرات البلاد ووارداتها. وكانت هيئة السكة الحديد أكثر من مجرد وسيلة نقل: رعت الأندية الرياضية. أقامت الفنادق الفخمة. ومراكز الترفيه. ودعمت الحركة الثقافية والعمالية حول كل محطاتها. سكة حديد تبني مسارح وأندية وتصنع الوعي؟ نعم… لأن الدولة يومها كانت تبني إنساناً. لا تُشغِّل عمالاً فحسب. وارتبطت بها هيئة البريد والبرق، بنظامٍ اتصالاتي محكم يجعل الرسائل والبرقيات تصل في موعدها الدقيق، كأنه وعدٌ مقدّس لا مجرد خدمة حكومية.
سودانير… أجنحة النيل الأزرق: خذ خامساً السماء نفسها… فقد كانت الخرطوم تطير قبل أن تطير عواصم كثيرة حولها. تأسست الخطوط الجوية السودانية (سودانير) عام 1946م. لتكون أول ناقل جوي في إفريقيا والشرق الأوسط بأكمله. بدأت بأربع طائرات صغيرة من طراز “دي هافيلاند”. ثم أضافت طائرات “دوغلاس”. ثم أدخلت طائرات “الكوميت” النفاثة و”البوينج” الحديثة. افتتحت خطاً دولياً منتظماً إلى أوروبا عبر القاهرة وأثينا وروما حتى مطار هيثرو ببريطانيا (الخط الشهير باسم Blue Nile الخدمة المتميزة). ظلت رمزاً للفخر الوطني. تربط أطراف دارفور وكردفان والجنوب والشمال والشرق بالعاصمة. وتحمل الحجاج والزوار بأطقم ضيافة وملاحة سودانية كانت مضرب المثل في الكفاءة والنزاهة والانضباط.
أساطير النهر والبحر التي ابتلعها الفقد: خذ سادساً الأساطيل المائية… وكيف لا ينفطر القلبُ بكاءاً وحسرة… ونحن نستحضر شموخ ‘النقل النهري’ و’النقل البحري’، يوم أن كانت الهيئتان تمتلكان أعظم وأعتى الأساطيل المائية، وهي تجوب النيل والبحار حاملةً كبرياء أسماء مديرياتنا التسع العريقة – من ‘دنقلا’ إلى ‘كردفان’- قبل أن يُجهز عليها تجريف عهد ‘الإنقاذ’ وتتداعى السنون، ليفقد الوطن عافيته المائية.
تأسست الخطوط البحرية السودانية’ (سودان لاين) عام 1958م، وجابت المحيطات منذ عام 1962م بأسطولٍ عملاق بلغ 16 سفينة عابرة للقارات – من بينها ‘أركويت’، و’سنار’، و’الجلابة’، و’دنقلا’، و’الخرطوم’ – لتبني واحداً من أكبر ثلاثة أساطيل تجارية في إفريقيا والشرق الأوسط. ونستذكر معها جلال ‘مؤسسة النقل النهري’ التي شقت أعتى الممرات المائية بأسطولها الذي تجاوز مئات المواعين والباخرات والجرارات النهرية – كالباخرة ‘البركل’ و’الثريا’ و’مروي’ – وهي تنطلق في خطوطٍ منتظمة من أقصى الشمال في كريمة وحلفا إلى أقصى الجنوب في كوستي وجوبا، ترسم شريان الحياة والوحدة بين أطراف الوطن.
قبل أن يمتد الي تلك الهيئات التجريف الممنهج والتفكيك في عهد ‘الإنقاذ’ بقرارات التصفية والبيع؛ فتتوارى تلك الأساطيل قطعةً وراء قطعة، ويستيقظ سودان اليوم وقد أُفرغ نهره وبحره، ليصبح بلا سفينةٍ واحدة تجر أذيال المجد على الموج!