ثقافة

عادل سهل يكتب: حين حمل السودانيون الوطن في حقائبهم ‎ (2)

بقلم: عادل سهل

‏كان السودانيون يسافرون يومها لأن العالم كان يحتاج إليهم‎…‎‏ لا لأنهم كانوا يحتاجون إلى ‏العالم‎.‎‏‏

‏ولعل أجمل ما ميّز ذلك الجيل أنه لم يكن يعد سنوات الغربة أعماراً ضائعة‎.‎‏‏

كان يعدها استثماراً في العودة‎.‎

كان يبني بيتاً، حجراً فوق حجر‎.‎

ويشتري قطعة أرض‎.‎

ويزرع نخلة‎.‎

ويرسل حوالة شهرية‎.‎

ويؤجل كثيراً من رغباته الشخصية، لأنه كان يرى مستقبله الحقيقي هناك‎…‎

‏في السودان‎.‎‏‏

‏ولذلك لم تكن البيوت التي شُيدت في المدن والقرى مجرد مبانٍ من الطوب والأسمنت‎.‎

كانت رسائل حب طويلة، كتبها المغتربون إلى وطنهم بلغة الصبر والعمل‎.‎

‏لكن الزمن لا يبقى على هيئة واحدة‎.‎‏‏

‏فالحقائب التي كانت تحمل يوماً عقد عمل، وبعض الثياب، وصور الأسرة، وعنوان ‏البيت‎…‎‏‏

ستحمل بعد عقود أشياء مختلفة تماماً‎.‎

وحين تغيّر معنى الرحيل‎…‎

تغيّر معه كل شيء‎.‎

ولم يعد السفر بداية طريق العودة‎…‎

‏بل صار، عند كثيرين، بداية حكاية أخرى‎.‎‏‏

‏حين أصبحت الغربة مشروع عمر:‏

في كل إجازة‎…‎

كانت الحقائب تعود ممتلئة بالهدايا‎.‎

وتغادر ممتلئة بالدعوات‎.‎

كان الأطفال ينتظرون حقائب آبائهم أكثر مما ينتظرون آباءهم‎.‎

‏ففي داخل تلك الحقائب كانت تختبئ ألعاب صغيرة، وساعات يد، وعطور، وقطع ‏شوكولاتة، وأقمشة جديدة للأعياد، ورسائل محبة حملتها المسافات قبل أن تحملها ‏الطائرات‎.‎‏‏

وكانت البيوت السودانية تعرف موعد الإجازات قبل أن تعرفه المطارات‎.‎‏‏

‏فالفرحة تبدأ قبل أسابيع، والعد التنازلي يبدأ منذ أن تصل رسالة قصيرة تقول‎:‎‏‏

“موعد الوصول يوم الخميس”

‎‏ومع مرور السنوات‎…‎‏‏

لم تعد الغربة رحلة قصيرة كما وعد أصحابها في بداياتها‎.‎

صارت تمتد عاماً بعد عام‎.‎

ثم عقداً بعد عقد‎.‎

حتى اكتشف كثير من السودانيين أن أعمارهم تمضي بين إجازة وأخرى‎.‎

كانوا يظنون أنهم يؤجلون العودة قليلاً‎…‎

لكن الحياة كانت تؤجلها أكثر‎.‎

‏وفي الثمانينيات، ثم التسعينيات، تغيّر معنى السفر مرة أخرى‎.‎‏‏

لم يعد مجرد مشاركة في بناء مؤسسات الآخرين‎.‎

بل أصبح مشروعاً لبناء المستقبل‎.‎

كان المغترب يحسب راتبه بالأشهر‎…‎

ويحسب أحلامه بالسنوات‎.‎

قطعة أرض‎.‎

ثم بناء منزل‎.‎

ثم تعليم الأبناء‎.‎

ثم تزويج الإخوة‎.‎

ثم إعالة الوالدين‎.‎

ثم مسؤوليات لا تنتهي‎.‎

وكان كل إنجاز يتحقق هناك‎…‎

‏يرتبط بحلم صغير ينتظر صاحبه هنا‎.‎‏‏

‏كبرت المدن السودانية بأموال المغتربين‎.‎‏‏

وفي أحياء كثيرة، كانت البيوت الجديدة تُعرف باسم صاحبها الغائب‎.‎

‏فيقال‎:‎‏ ‏‎”‎هذا بيت فلان القادم من السعودية‎.”‎‏‏

‏أو‎:‎‏ ‏‎”‎ذلك منزل المهندس الذي يعمل في الإمارات‎.”‎‏‏

‏أو‎:‎‏ ‏‎”‎هنا يبني الطبيب العائد من قطر‎.”‎‏‏

‏كانت الحجارة تُرفع في صمت‎…‎‏‏

لكنها كانت تنطق بقصة عمرٍ كامل من الصبر‎.‎

ولم تكن الحوالات المالية مجرد أرقام تدخل البنوك‎.‎

‏بل كانت شرياناً امتد بين المغترب وأسرته، يحمل مصروف المدارس، وعلاج المرضى، ‏ونفقات الجامعات، ومصاريف الزواج، وأحياناً قوت شهر كامل‎.‎‏‏

‏لكن الغربة، وهي تمنح الإنسان فرصة البناء، كانت تأخذ منه أشياء لا تُشترى‎.‎‏‏

‏فاتته موائد الجمعة‎.‎‏‏

‏وأعياد كثيرة‎.‎‏‏

‏وجنازات أحبّة لم يستطع وداعهم‎.‎‏‏

‏وأفراح أبناءٍ لم يشهدوا طفولتهم كاملة‎.‎‏‏

‏وكبر الأبناء، بينما ظل الآباء يطاردون موعد العودة‎.‎‏‏

‏وكانت السنوات تمرّ أسرع من كل الخطط‎.‎‏‏

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار