كان السودانيون يسافرون يومها لأن العالم كان يحتاج إليهم… لا لأنهم كانوا يحتاجون إلى العالم.
ولعل أجمل ما ميّز ذلك الجيل أنه لم يكن يعد سنوات الغربة أعماراً ضائعة.
كان يعدها استثماراً في العودة.
كان يبني بيتاً، حجراً فوق حجر.
ويشتري قطعة أرض.
ويزرع نخلة.
ويرسل حوالة شهرية.
ويؤجل كثيراً من رغباته الشخصية، لأنه كان يرى مستقبله الحقيقي هناك…
في السودان.
ولذلك لم تكن البيوت التي شُيدت في المدن والقرى مجرد مبانٍ من الطوب والأسمنت.
كانت رسائل حب طويلة، كتبها المغتربون إلى وطنهم بلغة الصبر والعمل.
لكن الزمن لا يبقى على هيئة واحدة.
فالحقائب التي كانت تحمل يوماً عقد عمل، وبعض الثياب، وصور الأسرة، وعنوان البيت…
ستحمل بعد عقود أشياء مختلفة تماماً.
وحين تغيّر معنى الرحيل…
تغيّر معه كل شيء.
ولم يعد السفر بداية طريق العودة…
بل صار، عند كثيرين، بداية حكاية أخرى.
حين أصبحت الغربة مشروع عمر:
في كل إجازة…
كانت الحقائب تعود ممتلئة بالهدايا.
وتغادر ممتلئة بالدعوات.
كان الأطفال ينتظرون حقائب آبائهم أكثر مما ينتظرون آباءهم.
ففي داخل تلك الحقائب كانت تختبئ ألعاب صغيرة، وساعات يد، وعطور، وقطع شوكولاتة، وأقمشة جديدة للأعياد، ورسائل محبة حملتها المسافات قبل أن تحملها الطائرات.
وكانت البيوت السودانية تعرف موعد الإجازات قبل أن تعرفه المطارات.
فالفرحة تبدأ قبل أسابيع، والعد التنازلي يبدأ منذ أن تصل رسالة قصيرة تقول:
“موعد الوصول يوم الخميس”
ومع مرور السنوات…
لم تعد الغربة رحلة قصيرة كما وعد أصحابها في بداياتها.
صارت تمتد عاماً بعد عام.
ثم عقداً بعد عقد.
حتى اكتشف كثير من السودانيين أن أعمارهم تمضي بين إجازة وأخرى.
كانوا يظنون أنهم يؤجلون العودة قليلاً…
لكن الحياة كانت تؤجلها أكثر.
وفي الثمانينيات، ثم التسعينيات، تغيّر معنى السفر مرة أخرى.
لم يعد مجرد مشاركة في بناء مؤسسات الآخرين.
بل أصبح مشروعاً لبناء المستقبل.
كان المغترب يحسب راتبه بالأشهر…
ويحسب أحلامه بالسنوات.
قطعة أرض.
ثم بناء منزل.
ثم تعليم الأبناء.
ثم تزويج الإخوة.
ثم إعالة الوالدين.
ثم مسؤوليات لا تنتهي.
وكان كل إنجاز يتحقق هناك…
يرتبط بحلم صغير ينتظر صاحبه هنا.
كبرت المدن السودانية بأموال المغتربين.
وفي أحياء كثيرة، كانت البيوت الجديدة تُعرف باسم صاحبها الغائب.
فيقال: ”هذا بيت فلان القادم من السعودية.”
أو: ”ذلك منزل المهندس الذي يعمل في الإمارات.”
أو: ”هنا يبني الطبيب العائد من قطر.”
كانت الحجارة تُرفع في صمت…
لكنها كانت تنطق بقصة عمرٍ كامل من الصبر.
ولم تكن الحوالات المالية مجرد أرقام تدخل البنوك.
بل كانت شرياناً امتد بين المغترب وأسرته، يحمل مصروف المدارس، وعلاج المرضى، ونفقات الجامعات، ومصاريف الزواج، وأحياناً قوت شهر كامل.
لكن الغربة، وهي تمنح الإنسان فرصة البناء، كانت تأخذ منه أشياء لا تُشترى.
فاتته موائد الجمعة.
وأعياد كثيرة.
وجنازات أحبّة لم يستطع وداعهم.
وأفراح أبناءٍ لم يشهدوا طفولتهم كاملة.
وكبر الأبناء، بينما ظل الآباء يطاردون موعد العودة.