بقلم: عادل سهل وهنا بدأت المفارقة الكبرى. فالبيت الذي بُني ليكون خاتمة الغربة... صار سبباً في إطالتها. كلما اقترب موعد العودة، ظهرت مسؤولية جديدة. جامعة. زواج. قرض. التزام آخر. فيؤجل المغترب قراره مرةً أخرى، وهو يقول لنفسه: "سنة واحدة فقط... ثم أعود." لكن تلك السنة كانت كثيراً ما تتحول إلى سنوات. ومع مرور الزمن، لم تعد الغربة تغير مكان السكن فقط. بل بدأت تغيّر شكل الحياة نفسها. الأطفال الذين غادروا صغاراً... لم يعودوا يرون السودان بالعين التي كان يراه بها آباؤهم. كبروا بين مدارس مختلفة. ولهجات مختلفة. وأصدقاء مختلفين. وأصبح سؤال العودة أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. ولم يعد الأب وحده هو الذي يقرر. بل صار المستقبل نفسه يطرح أسئلته الصعبة. كان السودانيون ما يزالون يحملون وطنهم في حقائبهم... لكن الحقائب أصبحت أثقل. لا لأنها امتلأت بالأشياء... بل لأنها امتلأت بالسنوات. وهكذا... بينما كان المغترب القديم ما يزال يؤجل العودة عاماً بعد عام... كان جيل جديد يولد بعيداً عن السودان، ويكبر وهو يعرف الوطن من حكايات الآباء، وصور الألبومات، ومكالمات الأعياد. حين كبر الأبناء... وصغرت فكرة العودة: في مساءات كثيرة... كان الأب يجلس في شرفة المنزل، يتحدث بحماس عن السودان. يحكي عن النيل. وعن المدرسة الأولى. وعن سوق المدينة. وعن شجرة النيم التي كانت تظلّل باب البيت. وكان الأبناء ينصتون باهتمام... لكنهم كانوا يعرفون تلك الأماكن كما تُعرف المدن في الروايات. يسمعون عنها... ولا يعيشونها. ومع مرور الأعوام... كبر الأبناء. لكن السودان ظل في أعين كثيرٍ منهم، مكاناً يزورونه في الإجازات، لا وطناً عاشوا تفاصيله اليومية. كانت طفولتهم في مدارس أخرى. ولغتهم اليومية تمتزج بلهجات البلدان التي نشأوا فيها. وأصدقاؤهم هناك. وأحلامهم هناك. ومستقبلهم أيضاً. أما الآباء... فلم يتغير شيء في داخلهم. ظل السودان بالنسبة إليهم بداية الحكاية ونهايتها. وكانوا يؤجلون العودة عاماً بعد عام، وهم يعتقدون أن أبناءهم يحملون الحلم نفسه. لكن الزمن كان يكتب حكاية مختلفة. جاء اليوم الذي سأل فيه بعض الآباء أبناءهم: "ما رأيكم أن نعود نهائياً إلى السودان؟" ولم يكن الصمت الذي أعقب السؤال صمت اعتراض... بل صمت حيرة. فالوطن الذي يسكن ذاكرة الأب... كان بالنسبة للابن صورةً جميلة، لكنه ليس المكان الذي تكوّنت فيه حياته. هناك جامعته. وهناك عمله. وهناك أصدقاؤه. وهناك أول أحلامه. وهكذا... لم تعد العودة قراراً فردياً. بل أصبحت معادلةً معقدة، تتداخل فيها الأسرة، والتعليم، والعمل، ومستقبل الأبناء. وللمرة الأولى، اكتشف كثير من المغتربين أن الغربة التي بدأوها وحدهم... أصبحت حياةً كاملة لغيرهم. ولم يكن هذا التحول خسارةً لأحد. ولم يكن انتصاراً لأحد. بل كان ذلك قانون الزمن. فالطفل الذي وُلد بعيداً عن السودان، لا يستطيع أن يتذكر شوارع لم يمشِ فيها. ولا أن يشتاق إلى بيت لم يعش فيه. ولا أن يحنّ إلى صباحات لم يعرفها. أما الأب... فكان يحمل وطنه في ذاكرته كل يوم. وكان يندهش، في كل مرة، عندما يكتشف أن أبناءه يحملونه في قصصه فقط. ورغم ذلك... حدث شيء جميل. ظل السودان حاضراً داخل البيوت. في رائحة القهوة. وفي الكسرة التي تصر الأمهات على إعدادها. وفي الأغاني القديمة. وفي مكالمات الأعياد. وفي الدعوات التي تبدأ دائماً بـ: "الله يرد الغربة." كان الوطن يتراجع على الخرائط... لكنه كان يتقدم داخل الذاكرة. ولعل أجمل ما في الإنسان السوداني أنه لم يورّث أبناءه الخوف من الوطن... بل ورّثهم محبته. حتى الذين لم يعيشوا فيه، كانوا يعرفون أسماء مدنه، ويحفظون لهجته، ويبتسمون كلما سمعوا أغنيةً سودانية أو التقوا سودانياً لا يعرفونه. لقد نجح الآباء في أن ينقلوا لأبنائهم شيئاً أكبر من المكان... نقلوا إليهم الإحساس بالانتماء. وفي إحدى الأمسيات... قال أبٌ سوداني لابنته وهو يحدثها عن الوطن: "يوماً ما... سنعود" ابتسمت ابنته، ثم سألته في هدوء: "نعود إلى أين يا أبي؟" قال: "إلى السودان." فسكتت قليلاً، ثم قالت: "لكن... كيف ولماذا نعود؟" أنا... لا أشعر بأني في غربة، فأنا أصلاً لم أغادر شيئاً. أنا وُلدت هنا... ودرست هنا... وأصدقائي هنا... وهذا هو الوطن الوحيد الذي عرفته.