ثقافة

عادل سهل يكتب: حين حمل السودانيون الوطن في حقائبهم ‎ (3)

بقلم: عادل سهل

‏وهنا بدأت المفارقة الكبرى‎.‎

فالبيت الذي بُني ليكون خاتمة الغربة‎…‎‏ صار سبباً في إطالتها‎.‎

كلما اقترب موعد العودة، ظهرت مسؤولية جديدة‎.‎

جامعة‎.‎

زواج‎.‎

قرض‎.‎

التزام آخر‎.‎

فيؤجل المغترب قراره مرةً أخرى، وهو يقول لنفسه‎:‎‏ ‏‎”‎سنة واحدة فقط… ثم أعود‎.”‎

‏لكن تلك السنة كانت كثيراً ما تتحول إلى سنوات‎.‎‏‏

‏ومع مرور الزمن، لم تعد الغربة تغير مكان السكن فقط‎.‎‏‏

بل بدأت تغيّر شكل الحياة نفسها‎.‎

الأطفال الذين غادروا صغاراً‎…‎

لم يعودوا يرون السودان بالعين التي كان يراه بها آباؤهم‎.‎

كبروا بين مدارس مختلفة‎.‎

ولهجات مختلفة‎.‎

وأصدقاء مختلفين‎.‎

وأصبح سؤال العودة أكثر تعقيداً من أي وقت مضى‎.‎

ولم يعد الأب وحده هو الذي يقرر‎.‎

بل صار المستقبل نفسه يطرح أسئلته الصعبة‎.‎

‏كان السودانيون ما يزالون يحملون وطنهم في حقائبهم‎…‎‏‏

لكن الحقائب أصبحت أثقل‎.‎

لا لأنها امتلأت بالأشياء‎…‎

بل لأنها امتلأت بالسنوات‎.‎

‏وهكذا‎…‎‏‏

بينما كان المغترب القديم ما يزال يؤجل العودة عاماً بعد عام‎…‎

‏كان جيل جديد يولد بعيداً عن السودان، ويكبر وهو يعرف الوطن من حكايات الآباء، ‏وصور الألبومات، ومكالمات الأعياد‎.‎‏‏

‏حين كبر الأبناء… وصغرت فكرة العودة:‏

في مساءات كثيرة‎…‎

‏كان الأب يجلس في شرفة المنزل، يتحدث بحماس عن السودان‎.‎‏‏

يحكي عن النيل‎.‎

وعن المدرسة الأولى‎.‎

وعن سوق المدينة‎.‎

وعن شجرة النيم التي كانت تظلّل باب البيت‎.‎

وكان الأبناء ينصتون باهتمام‎…‎

لكنهم كانوا يعرفون تلك الأماكن كما تُعرف المدن في الروايات‎.‎

يسمعون عنها‎…‎

ولا يعيشونها‎.‎

ومع مرور الأعوام‎…‎

كبر الأبناء‎.‎

لكن السودان ظل في أعين كثيرٍ منهم، مكاناً يزورونه في الإجازات، لا وطناً عاشوا تفاصيله ‏اليومية‎.‎

كانت طفولتهم في مدارس أخرى‎.‎

ولغتهم اليومية تمتزج بلهجات البلدان التي نشأوا فيها‎.‎

وأصدقاؤهم هناك‎.‎

وأحلامهم هناك‎.‎

ومستقبلهم أيضاً‎.‎

‏أما الآباء‎…‎‏‏

فلم يتغير شيء في داخلهم‎.‎

ظل السودان بالنسبة إليهم بداية الحكاية ونهايتها‎.‎

وكانوا يؤجلون العودة عاماً بعد عام، وهم يعتقدون أن أبناءهم يحملون الحلم نفسه‎.‎

لكن الزمن كان يكتب حكاية مختلفة‎.‎

‏جاء اليوم الذي سأل فيه بعض الآباء أبناءهم‎:‎‏‏

“ما رأيكم أن نعود نهائياً إلى السودان؟”

ولم يكن الصمت الذي أعقب السؤال صمت اعتراض‎…‎

بل صمت حيرة‎.‎

فالوطن الذي يسكن ذاكرة الأب‎…‎

‏كان بالنسبة للابن صورةً جميلة، لكنه ليس المكان الذي تكوّنت فيه حياته‎.‎‏‏

هناك جامعته‎.‎

وهناك عمله‎.‎

وهناك أصدقاؤه‎.‎

وهناك أول أحلامه‎.‎

‏وهكذا‎…‎‏‏

لم تعد العودة قراراً فردياً‎.‎

‏بل أصبحت معادلةً معقدة، تتداخل فيها الأسرة، والتعليم، والعمل، ومستقبل الأبناء‎.‎‏‏

وللمرة الأولى، اكتشف كثير من المغتربين أن الغربة التي بدأوها وحدهم‎…‎

أصبحت حياةً كاملة لغيرهم‎.‎

ولم يكن هذا التحول خسارةً لأحد‎.‎

ولم يكن انتصاراً لأحد‎.‎

‏بل كان ذلك قانون الزمن‎.‎‏‏

‏فالطفل الذي وُلد بعيداً عن السودان، لا يستطيع أن يتذكر شوارع لم يمشِ فيها‎.‎‏‏

‏ولا أن يشتاق إلى بيت لم يعش فيه‎.‎‏‏

‏ولا أن يحنّ إلى صباحات لم يعرفها‎.‎

‏أما الأب‎…‎‏‏

فكان يحمل وطنه في ذاكرته كل يوم‎.‎

وكان يندهش، في كل مرة، عندما يكتشف أن أبناءه يحملونه في قصصه فقط‎.‎

‏ورغم ذلك‎…‎‏‏

‏حدث شيء جميل‎.‎‏‏

ظل السودان حاضراً داخل البيوت‎.‎

‏في رائحة القهوة‎.‎‏‏

‏وفي الكسرة التي تصر الأمهات على إعدادها‎.‎‏‏

‏وفي الأغاني القديمة‎.‎‏‏

‏وفي مكالمات الأعياد‎.‎‏‏

‏وفي الدعوات التي تبدأ دائماً بـ‎:‎‏ ‏‎”‎الله يرد الغربة‎.”‎‏‏

كان الوطن يتراجع على الخرائط‎…‎

‏لكنه كان يتقدم داخل الذاكرة‎.‎

‏ولعل أجمل ما في الإنسان السوداني أنه لم يورّث أبناءه الخوف من الوطن‎…‎‏‏

‏بل ورّثهم محبته‎.‎‏‏

حتى الذين لم يعيشوا فيه، كانوا يعرفون أسماء مدنه، ويحفظون لهجته، ويبتسمون كلما ‏سمعوا أغنيةً سودانية أو التقوا سودانياً لا يعرفونه‎.‎

لقد نجح الآباء في أن ينقلوا لأبنائهم شيئاً أكبر من المكان‎…‎

نقلوا إليهم الإحساس بالانتماء‎.‎

وفي إحدى الأمسيات‎…‎‏‏

‏قال أبٌ سوداني لابنته وهو يحدثها عن الوطن‎:‎‏‏

“يوماً ما… سنعود”

‎‏ابتسمت ابنته، ثم سألته في هدوء‎:‎‏ ‏‎”‎نعود إلى أين يا أبي؟‎”‎

‏قال‎:‎‏ ‏‎”‎إلى السودان‎.”‎‏‏

‏فسكتت قليلاً، ثم قالت‎:‎‏ ‏‎”‎لكن… كيف ولماذا نعود؟‎”‎‏‏

‏أنا‎…‎‏‏

‏لا أشعر بأني في غربة، فأنا أصلاً لم أغادر شيئاً‎.‎‏‏

‏أنا وُلدت هنا‎…‎‏‏

‏ودرست هنا‎…‎‏‏

‏وأصدقائي هنا‎…‎

‏وهذا هو الوطن الوحيد الذي عرفته‎.‎

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار