عادت اتهامات استخدام الجيش السوداني للأسلحة الكيميائية إلى واجهة النقاشات الدولية في الأمم المتحدة، بعدما جددت الولايات المتحدة، الثلاثاء، اتهامها للحكومة السودانية باستخدام أسلحة كيميائية، واضعة السودان إلى جانب إيران ضمن الدول التي اتهمتها باستخدام هذه الأسلحة أو تطويرها.
وجاء الموقف الأميركي بعد يوم واحد من مطالبة النرويج السودان بالتعاون الكامل مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، في تطور يعزز الضغوط الدبلوماسية على قيادة الجيش وسلطة بورتسودان، ويعيد طرح قضية التحقيق الدولي والمساءلة عن الانتهاكات المزعومة.
وطُرح الموقفان خلال اجتماعات اللجنة الأولى للجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين، وهي اللجنة المعنية بنزع السلاح والأمن الدولي، التي ناقشت في نيويورك يومي 19 و20 أكتوبر قضايا الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والالتزام بالاتفاقيات الدولية المنظمة لحظرها. ووثقت الأمم المتحدة المداولات في تقريرها الرسمي الصادر في 20 أكتوبر.
واشنطن تجدد اتهاماتها
وخلال المناقشات، أعادت الولايات المتحدة تأكيد موقفها بأن الحكومة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية خلال عام 2024، في انتهاك للقانون الدولي، وأدرجت السودان ضمن الدول التي أثارت بشأنها اتهامات باستخدام أسلحة كيميائية أو تطويرها، إلى جانب روسيا وإيران.
وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت في مايو 2025 أنها خلصت إلى أن السلطة القائمة في السودان قد استخدمت أسلحة كيميائية خلال عام 2024، استناداً إلى تحديد رسمي صدر في أبريل من العام نفسه، قبل أن تفرض عقوبات على السودان بموجب قانون مراقبة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والقضاء على استخدامها في الحرب لعام 1991.
وفي يوليو 2026، وسعت واشنطن العقوبات المرتبطة بالملف، لتشمل قيوداً إضافية على الصادرات، ومعارضة تقديم بعض أشكال التمويل والمساعدات للسودان عبر بنوك التنمية متعددة الأطراف، مع استثناءات تتعلق بالاحتياجات الإنسانية الأساسية.
ويضع استمرار الموقف الأميركي سلطة بورتسودان أمام تساؤلات بشأن مدى استعدادها لإخضاع الاتهامات لتحقيق فني دولي مستقل، بدلاً من المماطلة والتذرع بالتحقيقات الداخلية التي أعلنت عنها قيادة الجيش.
مواقف أوروبية تضيق الخناق
وسبق الموقف الأميركي بيان رسمي ألقته، الاثنين 19 أكتوبر، المستشارة الرفيعة في البعثة النرويجية لدى الأمم المتحدة، سينه إميليه بيورنرو، خلال جلسة مخصصة لأسلحة الدمار الشامل الأخرى.
وقالت بيورنرو في بيان بلادها: “ما زلنا نشعر بالقلق إزاء الاتهامات باستخدام الأسلحة الكيميائية في السودان، وندعو السودان إلى التعاون الكامل مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية”.
وأكدت النرويج دعمها لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية وأمانتها الفنية، مشددة على أن التحقيقات المستقلة والمساعدة الفنية وآليات تحديد المسؤولية تمثل أدوات أساسية لحماية مصداقية اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية والنظام الدولي القائم على القواعد.
بدورها، أعربت ممثلة السويد عن قلق بلادها البالغ إزاء التقارير المتعلقة باستخدام أسلحة كيميائية في السودان، مؤكدة ضرورة امتثال السودان لالتزاماته بموجب اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.
ودعت السويد سلطة بورتسودان إلى التعاون الكامل مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية واتخاذ تدابير ملموسة لضمان الامتثال الكامل للاتفاقية.
وأكدت كذلك رفض الإفلات من العقاب في قضايا استخدام الأسلحة الكيميائية، وضرورة التعامل الجماعي والحازم مع الانتهاكات.
وتضمنت الجلسة مطالبة بريطانية مباشرة للجيش السوداني والسلطة القائمة في بورتسودان بنشر نتائج تحقيقها الداخلي الذي تدعيه بشأن الاتهامات الموجهة ضدها باستخدام الأسلحة الكيميائية.
وتختلف هذه المطالبة عن الدعوة البريطانية السابقة أمام منظمة حظر الأسلحة الكيميائية إلى استكمال التحقيق الوطني ومشاركة نتائجه مع المنظمة؛ إذ تضيف مطلب الإعلان عن النتائج.
وتكتسب مواقف الدول الثلاث أهمية خاصة لأنها تضيف مطالبة أوروبية رسمية بالتعاون مع المنظمة الدولية، في وقت تواجه فيه سلطة بورتسودان ضغوطاً متزايدة بشأن الاتهامات التي تطال الجيش السوداني.
مصفاة الجيلي في قلب الاتهامات
وتأتي هذه التطورات بعد تحقيقات صحفية دولية تناولت اتهامات باستخدام الجيش السوداني مادة الكلور سلاحاً خلال عملياته العسكرية قرب مصفاة الجيلي النفطية شمال الخرطوم في سبتمبر 2024.
وكان تحقيق مشترك أجرته قناة فرانس 24 ومنظمة C4ADS الأميركية قد عرض أدلة وصفها بأنها قوية على استخدام الكلور في هجمات مرتبطة بالعمليات العسكرية حول المصفاة، وهي اتهامات أثارت مطالبات بإجراء تحقيق دولي مستقل لتحديد طبيعة المادة المستخدمة والجهة المسؤولة عن إطلاقها.
وفي 15 سبتمبر الماضي، ناقش الخبيران السابقان في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، مارك ألبون وروبرت فيرويذر، خلال ندوة استضافها نادي الصحافة السويسري في جنيف، الأدلة والاتهامات المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية في مصفاة الجيلي للنفط بشمال الخرطوم، وشددا على ضرورة إجراء تحقيق مستقل.
ولا تزال هذه الاتهامات بحاجة إلى تحقيق فني دولي يحدد الوقائع والمسؤوليات بصورة مستقلة؛ إذ إن إثبات المسؤولية الجنائية الفردية يستلزم تحديد الأوامر العسكرية وسلسلة القيادة ومدى علم المسؤولين بالعمليات المعنية.
ملف مفتوح أمام منظمة الحظر
وكان المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية قد ناقش ملف السودان خلال دورته الثالثة عشرة بعد المئة، التي انعقدت في لاهاي بين 6 و9 أكتوبر الجاري.
وأظهر تقرير الدورة استمرار إدراج طلبات الإيضاح المتعلقة بالسودان، والمقدمة بموجب الفقرة الرابعة من المادة التاسعة من اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، ضمن أعمال المجلس.
ورغم أن المجلس لم يعلن خلال الدورة قراراً جديداً بإرسال بعثة تحقيق إلى السودان، فإن استمرار نظره في القضية يؤكد أن الملف لم يُغلق، وأن الاتهامات لا تزال مطروحة ضمن الآليات الدولية المعنية بالتحقق من الامتثال للاتفاقية.
ويأتي تجدد الموقف الأميركي ومواقف الدول الأوروبية الثلاث ليضيف زخماً دبلوماسياً إلى هذا المسار، ويزيد أهمية المطالبات بإجراء تحقيق مستقل يتيح الوصول إلى الأدلة والشهود والمواقع المرتبطة بالهجمات المزعومة.
وبين تمسك واشنطن باتهاماتها ومطالبة أوسلو بالتعاون مع منظمة الحظر، تواجه قيادة الجيش وسلطة بورتسودان اختباراً يتجاوز النفي السياسي والتحقيقات الداخلية. فالاتهامات باستخدام أسلحة محرمة دولياً لا تُحسم بالبيانات، وإنما بتحقيق مستقل يكشف الوقائع ويحدد المسؤوليات، ويضع حداً للإفلات من المساءلة.