السودان

تقرير: ياسر العطا: جنرال الصعود بالروافع

راينو: وكالات

في الثاني من أبريل 2026، عُيّن الفريق أول ركن ياسر عبد الرحمن حسن العطا رئيساً لهيئة أركان القوات المسلحة السودانية، خلفاً للفريق أول ركن محمد عثمان الحسين، ليتجمع في يده موقع عضو مجلس السيادة، ومساعد القائد العام، ورئيس هيئة الأركان في آن واحد.

تمركزه في قمة الهرم العسكري والسياسي يجسد مسار رجل احترف طوال أربعة عقود الالتصاق بمراكز القوة المتوفرة والاستحواذ على نتائجها. لم يُسجَّل للعطا إسهام متميز، أو بناء مؤسسة، أو تقديم مشروع عسكري أو سياسي يحمل بصمته المستقلة.

وعلى العكس من ذلك، يُظهر مساره الوظيفي اعتماداً متكاملاً على “الروافع”، وهي الوسائط والظروف التي صنعها الآخرون بدماء أو نفوذ أو تضحيات، والتي يمتطيها للوصول إلى الغايات، ثم يتجاوزها فور استنفاد أغراضها.

فتح اسم عمه باب الكلية الحربية، وحوّلت شجاعة مقاتلي المنداري في الجنوب ضابطاً متواضعاً إلى “قائد ميداني”، وأوصلته علاقات القيادة العليا إلى مواقع تفوق قدراته، وتطوّعت شهادة بغداد كواجهة أكاديمية، وغطت فترة جيبوتي على غياب المساءلة، وتكفلت الثورة – التي خانها – بتمكينه على رأس لجنة تفكيك النظام الذي نشأ في أحضانه. وأخيراً وفرت الحرب غطاءً شعبوياً يبرر البقاء الدائم في السلطة.

الإرث العائلي واستثمار الاسم

أتاح له اسم عمه الرائد هاشم العطا مظلة عائلية ذات ثقل سياسي ورمز أمني فتحت له أبواب المؤسسة العسكرية، متجاوزاً معايير التنافس المستقل، فكانت هذه «الرافعة الأولى». ولقد تجلّت النفعية البراغماتية في مسيرته عندما انتهى به المطاف، برتبة نقيب، حارساً للرئيس جعفر نميري، ضمن سرية الحراسات التابعة للشرطة العسكرية، حتى مغادرته البلاد. وإذا تأملنا النقطة الأخيرة قليلاً، نرى ضابطًا يتولى حراسة رئيس أعدم عمه، مما ينبئ عن سلوك يقدّم المصلحة المباشرة والموقع الوظيفي، بلا أدنى شك، على أي ثوابت أو قيم أخلاقية.

دماء مقاتلي المنداري واستحقاق البطولة

انتقل العطا إلى جوبا في محطة من محطات خدمته بمناطق العمليات، إثر تدهور الأوضاع العسكرية في جنوب السودان.

فألحقته قيادة المنطقة العسكرية الاستوائية للعمل مع إحدى القوات الصديقة التي كانت تقاتل ضد الحركة الشعبية لتحرير السودان، وهي «قوات دفاع المنداري» التي ارتبطت بقبيلة المنداري النيلية وزعيمها التاريخي اللواء كلمنت واني كونجا. وتُعدّ واحدة من أشرس القوى العشائرية التي غيّرت موازين القوى في جنوب السودان؛ وسلحت مباشرة من حكومة الحركة الإسلامية لمواجهة التمرد وحماية مدينة جوبا.

تولى مقاتلو المنداري العبء الأكبر في مواجهة الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق، مستندين إلى معرفتهم الدقيقة بالبيئة المحلية وتضحياتهم المباشرة.

اقترب العطا من القوة الميدانية حتى ناداه أبناء دفعته باسم “ياسر واني”، وكان يخاطب اللواء كلمنت بـ “يابا كلمنت”. مثّل هذا الاقتراب “الرافعة الثانية”، وتوظيفاً أمنياً من ضابط متواضع القدرات للالتصاق بقوة ضاربة، ليُعاد تصديره إلى القيادة بصفته “الضابط الميداني المحارب”، بينما كانت الدماء المبذولة دماء أبناء المنداري.

خلال حصار جوبا عام 1992، شارك العطا برتبة رائد في العمليات القتالية لفك الحصار تحت قيادة اللواء كلمنت واني نفسه.

إلا أنه، وللأسف، جرى لاحقاً اقتطاع هذا العمل الجماعي وتضخيمه ليُسجل كإنجاز فردي للعطا، مستفيداً من تضحيات قوات المنداري للارتقاء في الهيكل العسكري.

شبكات القيادة

خلال سنوات حكم نظام الإنقاذ البائد، وثّق العطا علاقاته بدوائر القرار العسكري والعملياتي، ولا سيما بالعقيد إبراهيم شمس الدين، كادر الحركة الإسلامية الإرهابية المعروف، وعضو مجلس قيادة الإنقاذ والمشرف على العمليات ضد من تمرد على النظام.

أدرك العطا أن القرب من صانعي القرار في ملف الجنوب يوفر أقصر الطرق للترقي الشكلي والتنفيذي.

اعتمدت المؤسسة العسكرية في تلك الفترة معيار الموالاة والقرب من مراكز النفوذ بدلاً من الأداء المستقل والكفاءة الميدانية، ورأت فيه الحركة الإسلامية استثماراً جيداً، فهو ضابط قادر على البقاء في الأحراش، وبعض خبرات اكتسبها متتبعاً قوات كلمنت واني في أحراش تركاكا وغابات تالي وجميزة.

استثمر العطا هذه القاعدة كـ “رافعة ثالثة” وثّقت علاقته التاريخية السرية مع قيادة تنظيم الحركة الإسلامية الإرهابية، متكيفاً مع متطلبات كل مرحلة.

عشر سنوات في محطات خارجية

كعادة إبراهيم شمس الدين في مكافأة من يثبت قوة ولائه للتنظيم من الضباط، أمر بإيفاد العطا إلى جامعة البكر للدراسات العسكرية العليا في بغداد لنيل درجة الماجستير في العلوم العسكرية في حولين كاملين، وأتبعها بتأهيل في كلية الحرب.

شكّل هذا الإيفاد امتداداً لرعاية القيادة له، حيث استُخدمت الشهادة العلمية كديكور أكاديمي يمنحه سطراً وهميًا في سيرة ذاتية، ومظلة تنظيمية إضافية داخل الهيكل القيادي.

في عام 2007 جاء التتويج الكبير من نظام الحركة الإسلامية، حيث تم تعيين العطا في منصب الملحق العسكري في جيبوتي، واستمر فيه سبع سنوات كاملة على فترتين، جرى تمديدهما تحت ذريعة الإشراف على إنشاء مركز صحي ممول من الجيش السوداني لصالح الجيش الجيبوتي، حتى عودته عام 2014.

وفّرت هذه المحطة الممتدة في جيبوتي إقامة دبلوماسية آمنة بعيدة عن أي مخاطرة عملية أو مواجهة ميدانية، ليُعاد تدويرها لاحقاً في الخطاب الرسمي كدليل على «الخبرة العسكرية والدبلوماسية التراكمية».

ما بعد 11 أبريل 2019

عقب الإطاحة بنظام عمر البشير في العام 2019، ظهر العطا في أول المؤتمرات الصحفية للمجلس العسكري الانتقالي، والذي عقد بالقيادة العامة للجيش، بجانب الفريق شمس الدين كباشي والفريق عمر زين العابدين، الذي ترأس المؤتمر مدّعياً أنهم أبناء سوار الذهب، وأنهم في جانب الثوار.

شكّل هذا الظهور، للعارفين ببواطن العمل التنظيمي بالقوات المسلحة، دليل إثبات لا يمكن دحضه بأي حجة كانت، على أن العطا وكباشي ما هم إلا واجهات جديدة تم تكليفها بمهام تتناسب مع تلك المرحلة، وكشف هذا الظهور المبكر عن إعادة ترتيب السلطة من داخل البنية العسكرية نفسها دون تسليم حقيقي للقوى المدنية. كذلك جسّد هذا الموقف تصدراً للواجهة السياسية عبر استغلال الحراك الشعبي وتضحيات الشارع، والحديث باسم المرحلة الجديدة للسيطرة على مكتسبات الثورة وتوجيهها بما يخدم بقاء المكون العسكري الموالي بالكامل لنظام الإنقاذ الإسلاموي.

أكبر الداعين لعسكرة المجتمع

ومع اندلاع حرب أبريل 2023، استغل العطا بيئة الصراع المسلح واضطراب موازين القوة لتعزيز حركته السياسية والإعلامية وترسيخ موقعه داخل القيادة العامة. وتجلى هذا التوجه حين أعلن العطا دعمه الصريح للتسليح العشوائي المسمى بـ «المقاومة الشعبية»، حاسماً موقفه في اعتراض صريح على دعوة تقدم بها الفريق أول شمس الدين كباشي لضبط التسليح وحصره داخل الأطر المؤسسية للجيش؛ حيث اعتبر العطا أن معارضة المقاومة الشعبية تمثل معارضة لإرادة الشعب، في استدعاء متكرر لمقولة «إرادة الشعب» كغطاء لتمرير أجندة تسليح موازية تخدم بقاءه والسياسات الميدانية التي يرعاها.

تخريب مسارات التفاوض

ولم يقف هذا النهج عند الحدود الداخلية، بل امتد إلى مسارات التحركات الإقليمية والدولية؛ فشن العطا هجوماً علنياً حاداً على دولة الإمارات العربية المتحدة، واقترن اسمه بتسريب التفاصيل السرية لمفاوضات المنامة بين الجيش والدعم السريع، ما أدى إلى إجهاض التفاهمات التي كانت قريبة، وهو ما يعكس خطاً متعمداً لقطع مسارات التفاوض التي قد تنتج تسوية سياسية تنهي دواعي وجوده القيادي.

وفي السياق نفسه، وجه العطا، آنذاك، اتهامات لقيادات تحالف «تقدّم» بالسعي لإحداث شقاق بينه وبين البرهان وكباشي، في محاولة لتصدير الأزمات الخلافية الداخلية في قيادة الجيش ونسبها إلى مؤامرات خارجية بدلاً من مواجهة التناقضات القيادية الذاتية.

رئاسة هيئة الأركان وقاطرة الصعود السهل

جاء تعيين العطا رئيساً لهيئة أركان القوات المسلحة في أبريل 2026 ليتوج مسيرة صعود بُنيت على روافع متتالية، امتدت من اسم العم المُعدم، وتضحيات مقاتلي المنداري، وشبكات نفوذ إبراهيم شمس الدين، إلى إعادة تمكين التنظيم الإسلامي، ومن كذبة شرعية الثورة المستعارة، إلى خطاب الحرب المتطرف. خلت هذه المسيرة من أي إنجاز أو عمل استراتيجي عسكري مستقل شيّده العطا بجهده الخاص.

تثبت القراءة الثاقبة لسيرة ياسر العطا وجود تناقض هيكلي بين الادعاءات الوطنية والممارسة العملية. إن الضابط الذي تصدر الواجهة بحجة حماية الثورة هو نفسه الذي حاول جاهدا أفرغ لجنة إزالة التمكين من مضمونها، وهو الذي رفع شعار «إرادة الشعب» لتمرير التسليح خارج أطر الدولة ثم صادر تلك الإرادة لمنع القوى المدنية من ممارسة حقها السياسي.

صحيح السودان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار