السودان

تقرير: ياسر العطا يعلن عن تكوين أربع مجموعات عسكرية لحماية العاصمة ضد (أياً كان)

راينو: وكالات

يبدو أن الفريق أول ركن ياسر العطا، رئيس هيئة الأركان، قرر أن يضيف إلى أدبيات العلوم العسكرية مدرسة جديدة، عنوانها: «القوة الباطشة ضد أيّاً كان». ففي تصريحاته الأخيرة، أعلن عن تكوين أربع مجموعات عسكرية قوية، وإلى جوارها مجموعات أخرى لإسنادها، مؤكداً أنها قادرة على مواجهة أي جهة، أياً كان اسمها أو حزبها أو كيانها أو قبيلتها، ثم اختصر فلسفة الانتماء والولاء في معادلة لافتة: “الله، الوطن، القائد العام”.
لم يكتفِ بذلك، بل وجه رسالة إلى كل من يفكر في الوصول إلى الحكم عن طريق السلاح، مؤكداً أن أي قوة عسكرية ستتم إعادتها إلى الأرض. وألحق ذلك بسلسلة من التصريحات عن المرتزقة الذين قال إنهم جُلبوا من غرب أفريقيا، ومن جنوب السودان وإثيوبيا وشمال الصومال، متحدثاً عن عشرات الآلاف منهم.
لذا، نحن أمام خطاب يستحق التوقف عنده، ليس بسبب نبرته التعبوية وحدها، وإنما لأنه يصدر عن رئيس أركان، يُفترض أن تكون كلماته محكومة بمفاهيم التخطيط العملياتي، وتقدير الموقف، وإدارة القوة، وفهم طبيعة مسرح العمليات. فالرتبة العسكرية الكبيرة لا تجعل كل ما يقوله صاحبها حقيقة عسكرية، كما أن تكرار مفردات القوة والبطش لا يحولها إلى قدرات قتالية قابلة للقياس.
أربع مجموعات باطشة – هل هذه عقيدة عسكرية أم إعلان تشويقي؟
من المعلوم أنه في العلوم العسكرية، لا تُقاس القوة بعدد المجموعات التي يعلن القائد عن تشكيلها، ولا بمدى ارتفاع الصوت الذي يرافق الإعلان عنها. القوة القتالية مفهوم مركب، يتكون من الأفراد المدربين، والتسليح، والقيادة والسيطرة، والاستخبارات، والاتصالات، والإمداد والتموين، والنقل، والإخلاء الطبي، والصيانة، والقدرة على المناورة، والتنسيق بين الأسلحة والتخصصات المختلفة.
وتُقاس كفاءة أي تشكيل بقدرته على تنفيذ مهمة محددة، ضمن زمن ومكان وظروف عملياتية معلومة، مع امتلاك القدرة على الاستمرار والتكيف مع تغير الموقف.
أما عبارة «مجموعات أخرى لإسناد المجموعات الأربع» فتفتح باباً إضافياً للتساؤل عن طبيعة الإسناد المقصود. فالإسناد العسكري يكون نارياً، ولوجستياً، وهندسياً، وطبياً، واستخباراتياً، واتصالياً، ودفاعاً جوياً، وغيرها من الوظائف التي تجعل التشكيل قادراً على الاستمرار في العمليات، وليس مجرد وجود قوات إضافية في الخلفية.
والأكثر إثارة للسخرية أن وصف هذه المجموعات بأنها «قوية باطشة ضد أيّاً كان» يوحي بأن القوة العسكرية أصبحت صفة مكتفية بذاتها، لا تحتاج إلى تحديد العدو أو المهمة أو طبيعة الأرض أو الوسائل أو الظروف. والحقيقة أن أول ما يتعلمه الضابط في التخطيط العسكري هو أن القوة لا تُستخدم في الفراغ، وأن لكل مهمة متطلبات، ولكل مسرح عمليات خصائص، ولكل تهديد تقدير مختلف.
الخرطوم ليست مساحة فارغة تنتظر المجموعات الباطشة
يبدو أن الحديث عن حماية العاصمة يحتاج إلى مراجعة جغرافية وعملياتية قبل الحديث عن عدد المجموعات التي ستتولى هذه المهمة.
مدينة الخرطوم الكبرى هي تجمع حضري ثلاثي يتكون من الخرطوم وأم درمان والخرطوم بحري، وتفصل بين مكوناته الطبيعية مياه النيل الأزرق والنيل الأبيض والنيل الرئيسي عند منطقة المقرن.
لذلك، فإن هذه الجغرافيا تمنح العاصمة خصوصية عسكرية واضحة. فالنهران يشكلان حواجز طبيعية، والجسور تمثل نقاط اتصال حيوية بين أجزاء التجمع الحضري. وتختلف طبيعة الحركة والانتشار والاتصال من مدينة إلى أخرى، كما تختلف الكثافة العمرانية وشبكات الطرق والأنشطة الصناعية والتجارية والسكنية.
فالخرطوم القديمة ذات الشوارع المتقاطعة والتخطيط الشبكي تختلف عن أجزاء واسعة من أم درمان التي تشكلت تاريخياً عبر نمو عمراني متدرج، كما تختلف بحري ذات الطابع الصناعي والامتدادات السكنية المتعددة.
ويضاف إلى ذلك وجود المنشآت الحكومية والعسكرية والمطارات والمرافق الاقتصادية ومحطات الكهرباء والمياه وشبكات الاتصالات ومراكز النقل والجسور.
وبالتالي، في البيئة الحضرية، لا تكفي السيطرة على شارع أو مبنى أو تقاطع طرق لإعلان السيطرة على منطقة كاملة. كما أن السيطرة على مركز حضري لا تعني بالضرورة امتلاك القدرة على تأمين أطرافه ومحاوره ومرافقه الحيوية.
والمدينة في الاصطلاح العسكري الحديث بيئة عملياتية معقدة، تتداخل فيها التضاريس الطبيعية مع المباني والمنشآت والبنية التحتية والسكان وشبكات الحركة والاتصالات.
ولعل من أكثر الأخطاء شيوعاً في الخطاب العسكري العام الاعتقاد بأن الدفاع عن المدن يعني حشد أكبر عدد ممكن من المقاتلين والأسلحة داخلها، أو تشكيل وحدات مسلحة وإعلان استعدادها لمواجهة أي تهديد.
إن الدفاع في المناطق المبنية له خصوصية معروفة في الأدبيات العسكرية. فهو يتطلب فهماً لطبيعة الأرض الحضرية، وتأثير المباني والمنشآت والطرق وشبكات الحركة، ومدى تداخل المناطق المدنية مع متطلبات العمل العسكري. وتتعامل العقيدة العسكرية مع المدينة باعتبارها نظاماً مترابطاً.
بمعنى آخر، لا توجد وصفة جاهزة اسمها أربع مجموعات باطشة تصلح للدفاع عن مدينة بهذا الحجم والتعقيد.
يبدو أن السيد رئيس الأركان يتحدث عن الدفاع عن الخرطوم وكأننا أمام ملعب واسع يمكن إحكام السيطرة عليه بمجرد وضع أربع مجموعات عند أطرافه، مع مجموعة احتياط تجلس في المدرجات إلى حين صافرة الحكم.
“أي قوة عسكرية نقعدها في الأرض”
الجزء الأكثر أهمية في التصريح هو حديث العطا عن مواجهة أي قوة عسكرية داخل الدولة، أياً كانت هويتها أو انتماءاتها.
من حيث المبدأ، احتكار الدولة لاستخدام القوة المسلحة مبدأ أساسي في بناء الدولة الحديثة. ولا يجوز أن تتحول الأحزاب والكيانات والقبائل إلى مراكز مستقلة لامتلاك السلاح وفرض الإرادة السياسية.
لكن هذا المبدأ لا يتحقق بإعلان أن أي قوة ستُسحق، وإنما ببناء مؤسسات عسكرية وأمنية خاضعة للقانون، وبإصلاح قطاع الأمن، وتوحيد القيادة والسيطرة، وضمان خضوع جميع التشكيلات المسلحة لسلطة دستورية ومؤسسية واضحة.
والسؤال الذي لا يستطيع الخطاب التعبوي الإجابة عنه هو: كيف وصل السودان أصلاً إلى هذه المرحلة التي أصبحت فيها البلاد محاطة بتشكيلات عسكرية متعددة، بعضها يحمل صفة القوات النظامية، وبعضها الآخر يعمل تحت مسميات الإسناد والمساندة والاحتياط والقوات المشتركة، وأخيراً “درع الغرب”؟
إن تجربة الحرب منذ أبريل 2023 كشفت بوضوح خطورة تعدد مراكز القوة المسلحة، وغياب وحدة القرار العسكري، وتداخل الولاءات السياسية والقبلية مع التشكيلات المسلحة.
ولذلك، فإن أي حديث جاد عن منع الانقلابات أو التمرد المسلح يجب أن يبدأ بإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس مهنية خاضعة لسلطة مدنية وللدستور، وإخضاع السلاح لسلطة الدولة، وتحديد المسؤولية القانونية لكل تشكيل، وإنهاء ظاهرة الجيوش الموازية.
أما أن يتحدث رئيس الأركان عن سحق أي قوة مسلحة، فيما لا تزال مسألة توحيد التشكيلات المسلحة وبناء منظومة أمنية وطنية متماسكة من أكبر تحديات السودان، فهذا يجعل التصريح أقرب إلى إعلان نوايا منه إلى عرض خطة مؤسسية مكتملة.
ترتيب الولاء عند ياسر العطا
ترتيب الولاءات الذي ذكره العطا يستحق وقفة مستقلة. فالقوات المسلحة مؤسسة وطنية، وليست تنظيماً شخصياً أو ملكية خاصة لقائدها العام أو رئيس أركانها. وشرعيتها تنبع من كونها مؤسسة دولة، تخضع للدستور والقانون، وتؤدي واجبها في حماية البلاد ومواطنيها.
في العقيدة العسكرية المهنية، الولاء للمؤسسة وللدولة ولمهمتها الدستورية هو أساس الانضباط العسكري. أما الأشخاص، مهما علت رتبهم، فهم يشغلون مواقع قيادية مؤقتة داخل المؤسسة.
القائد العام نفسه يخضع للقانون وللنظام الدستوري، ولا تتحول شخصيته إلى مرجعية مستقلة عن الدولة ومؤسساتها.
وعندما يصبح اسم القائد جزءاً من صيغة الولاء التي يقدمها رئيس الأركان بوصفها تعريفاً لهوية المؤسسة، فإن ذلك يثير تساؤلات حول حدود الفصل بين الولاء للدولة والولاء للأشخاص.
المرتزقة والعشرات من الآلاف
انتقل العطا إلى ملف المرتزقة، متحدثاً عن أعداد ضخمة من المقاتلين الذين قال إنهم جُلبوا إلى السودان من غرب أفريقيا وجنوب السودان وإثيوبيا وشمال الصومال.
هذا الملف من الخطورة بمكان، ولا يجوز التعامل معه بالاستخفاف. إننا أمام تقدير استخباراتي ضخم يحتاج إلى إسناد معلوماتي واضح.
فالمعلومات الاستخباراتية لا تصبح دقيقة بمجرد صدورها عن مسؤول عسكري رفيع. وهناك فرق بين المعلومة المؤكدة، والتقدير، والمصدر المفتوح، والمعلومة التي لم تخضع للتحقق.
أما الاكتفاء بتعداد الدول والجنسيات، وإلقاء الأرقام الضخمة أمام الجمهور، فلا يقدم وحده صورة استخباراتية متكاملة.
في التحليل العسكري، يجب الفصل بين التهديد الخارجي والتهديد الداخلي، وبين قدرات الخصم ونقاط ضعفه، وبين الأسباب المباشرة للصراع والعوامل التي ساهمت في استمراره.
إن منصب رئيس هيئة الأركان ليس منصة للمزايدات، ولا وظيفة صاحبه إثارة الحماس وإطلاق التهديدات وتوزيع الوعود بإسكات كل من يحمل السلاح.

وبهذه الحسابات العسكرية الجديدة، يبدو أن كل ما يحتاجه السودان لحل أزمته الأمنية من وجهة نظر العطا هو مضاعفة عدد المجموعات والمليشيات، ورفع مستوى البَطش، وإضافة بعض العبارات الحماسية إلى نشرة الأخبار! والاستماع والانتشاء بالهتافات من حوله، وبلا شك إرضاء من جاء به في هذا المنصب!

صحيح السودان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار