تقول أسطورة هندية إن فأراً كان في محنةٍ مستمرة بسبب خوفه من القطط، فأشفق عليه ساحر وحوَّله إلى قط، لكنه أصبح يخاف من الكلاب، فحوَّله الساحر إلى كلب، فبدأ يخاف من النُّمور، وهكذا حوَّله الساحر إلى نمر، عندئذٍ امتلأَ قلبه بالخوف من الصيادين، فاستسلم الساحر عند هذا الحد، وأعاده إلى صورته الأولى كفأر، وقال له: “لن يُساعِدكَ أيُّ شيء أفعله، لأنك تمتلكُ قلب فأر، وإذا أردت أن تتغير فابدأ بقلبكَ أولاً”.
ولعل هذه الأسطورة تصلح اليوم كاستعارة ساخرة ومؤلمة للمشهد السوداني، في هذه الحكاية، يمكن أن يكون الاتحاد الأفريقي عبر بيانه الأخير هو الساحر الذي يحاول إنقاذ الفأر، بوصفه الوسيط الذي ظل يحاول أن يفتح الطريق لاستمرار حكم قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، وهذه هي أفعال السحرة منذ فجر البشرية الأول.
فالبرهان يفتح أبوابه للحوار، ويوفر عفو مشروط عن جرائم مُتخيلة، لتحاول القوى السياسية الدفع باتجاه حل دائم يجعله يستمر في حكم السودان، وبدلاً من أن يتحرك الاتحاد الأفريقي، باعتباره المنظمة القارية المعنية بأزمات أفريقيا ليضع حداً لهذه الحرب المدمرة، خرج علينا ببيانه المُخجل مرحباً بالحوار “السوداني- البرهاني”، واضعاً ذيلاً لأرجل الحمار الأربعة، فهل ستصير خمسة أرجل؟ وهذا هو الفرق بين الخيال والواقعية.
يُروى عن الرئيس الأمريكي أبراهام لنكولن، وقد كان واقعياً شديد الحرص على الاستناد إلى الحقائق والأرقام في التقارير التي صدرت عنه أو قدمت إليه، رُوي أنه في يوم استدعى أعضاء لجنة من اللجان كانت قد رفعت إليه تقريراً حافلاً بالافتراضات والاحتمالات، فقال الرئيس لنكلن لأعضاء اللجنة: ما عدد أرجل الحمار لو أننا اعتبرنا ذيلهُ رِجْلاً؟ فرد أعضاء اللجنة فوراً: خمسة أرجل، فقال لهم الرئيس لنكلن: ذلك بالضبط هــو الجواب الذي توقعته منكم.. وهو خطأ شنيع كما لا يخفى.. اذ أن أرجل الحمار تبقى أربعة ولا تصبح خمسة لمجرد (اعتبارنا الذيل رِجْلاً) !! فهل يريد الاتحاد الأفريقي أن يقنعنا بأن قائد ما يسمى بالجيش السوداني يريد حواراً وهو الطرف المعرقل للسلام في السودان وبشهادة المجتمع الدولي!!
ربما حاول الاتحاد الأفريقي أن يقول من موقعه الحساس هذا، أن الحرب ليست قدراً أبدياً، وأن الجلوس إلى طاولة الحوار يمكن أن يكون أقل كلفة من الاستمرار في القتال، لكن المشكلة ليست في الساحر “الاتحاد الأفريقي”، ولا في غياب الطاولة، ولا حتى في غياب الوسطاء الدوليين، المشكلة في الفأر نفسه.
فالبرهان يبدو، في هذه السخرية، كمن يعتقد أن تغيير موقعه وتحالفاته وشعاراته يمكن أن يغير حقيقة مخاوفه، فكلما اقترب من استحقاق سياسي ظهر خوف جديد يعيده إلى ذات التردد القديم، فهو الرجل الخائف منذ اندلاع ثورة ديسمبر وحتى انقلاب الخامس عشر من أكتوبر، والساحر الأفريقي يمكن أن يقرب المسافات، لكنه لا يستطيع أن يمشي الطريق بدلاً من البرهان، فالجنرال مثقل بالمخاوف، والخائف لا يستطيع الاتحاد الأفريقي ولا غيره أن يملأ قلبه بالشجاعة، فماذا يستطيع الاتحاد الأفريقي والإخوة العرب أن يفعلوا للبرهان ليتغلب على خوفه، لأن المشكلة ببساطة، ليست في طرح المبادرات، ولا في عدد الوسطاء، ولا في تبدل منصات الحوار، المشكلة في أن الفأر ما زال يظن أن تغيير شكله سيحميه من مخاوفه، وسيظل الساحر يمد يده للبرهان، والبرهان يتردد عند العتبة، بينما يستمر الشعب السوداني في دفع الثمن.
إن الخوف من تنظيم الإخوان المسلمين جزء أصيل من حسابات البرهان السياسية، إلى جانب مخاوف أخرى تتعلق برغبته في السلطة والمطالبة بمحاكمته حول ما ارتكب من جرائم، أنداها الاتهامات الخاصة باستخدام الجيش للسلاح الكيماوي، فالخوف عند البرهان ركيزة أساسية ودائمة لصنع القرار، لكن خوفه لن يحميه، بل سيصبح عائقاً أمام إنهاء الحرب في السودان، والمواطن هو الضحية، فالاتحاد الأفريقي يريد في النهاية حماية مصالحه، لكننا لا نملك ترف التخلي عن وطننا، وكان أولى به أن يراعي مصالح شعوب القارة بدلاً من أن يترك السودان أسيراً لجنرال مأزوم ومهزوم.