السودان
شمس الدين ضوالبيت لـ”راينو”: اعتمدت الدولة السودانية الحديد والنار لتكوين هوية مشتركة على القالب الإسلاموعروبي (2)

حوار: راينو
تستضيف “راينو” في هذا اللقاء الفكري الاستثنائي، الباحث والمفكر السوداني د. شمس الدين ضو البيت، رئيس مشروع الفكر الديمقراطي، في حوار يتجاوز الراهن السياسي المباشر ليغوص في “الجذور المعرفية” للأزمة السودانية.
تناول ضو البيت في هذا الحوار تشريحاً دقيقاً لبنية الدولة السودانية وما يسميه “الإسلام السلطاني”، مستعرضاً مآلات حلف (العسكر والإخوان) وأثره التدميري على المعمار النفسي للمواطن.
كما يقدم الحوار قراءة نقدية لاتفاق جوبا، وتجربة “مجموعات القراءة” كأداة لتوطين الديمقراطية في الريف، وصولاً إلى طرح مفهوم “الديموتنامية المعرفية” كبديل نهضوي يخرج السودان من دائرة حروب السبعين عاماً نحو أفق القطيعة المعرفية الشاملة وبناء وطن جديد.
بدلاً من أن ينفتح حاملو الثقافة العربية الإسلامية في السودان على مكونات التنوع الأخرى، تدرجوا في الانغلاق
بدلاً من أن ينفتح حاملو الثقافة العربية الإسلامية في السودان على مكونات التنوع الأخرى، تدرجوا في الانغلاق
(*) أين تكمن المعضلة في التجربة السودانية تحديداً مقارنة بتلك النماذج؟
للأسف مرة أخرى، الجماعة التي كان من الممكن، لأسباب تاريخية عديدة، أن تلعب هذا الدور في المجتمع السوداني (الجماعة ذات الثقافة العربية الإسلامية)، بدلاً من الانفتاح نحو مكونات التنوع الأخرى، كانت على العكس تتدرج في الانغلاق، حتى وصلنا مع الإخوان المسلمين لمرحلة الدولة الدينية الكاملة.
يعني بدلاً من اعتماد منهج (الوحدة في التنوع)، اعتمدت الدولة السودانية منذ تأسيسها أسلوب (بوتقة الصهر): استخدام الحديد والنار لتكوين هوية مشتركة على “القالب” الإسلاموعروبي. الطبيعي أن المكونات الأخرى ستقاوم، لذلك انتهينا إلى (حرب السبعين سنة!). فالإجابة المباشرة على سؤالك: هل نحتاج إعادة اختراع دولتنا؟ هي نعم، وبشدة. يجب أن نعود إلى منصة تأسيس الدولة السودانية لنبنيها فوق عناصرها الحقيقية: دولة متنوعة الثقافات والأديان واللغات والجغرافيات. ولأجل ذلك فإن الحديث الكثير عن العقد الاجتماعي الجديد والمشروع الوطني الجامع، والدولة التنموية.. إلخ، كلها تعابير مختلفة لنفس المطلوب.
(*) بصفتك باحثاً في الإصلاح الديني، كيف تم استخدام “الفتوى والخطاب الديني” في هذه الـ حرب لتبرير الانتهاكات؟
نبدأ بإشارتك للإصلاح الديني، لماذا أصلاً الحديث عن الإصلاح الديني؟! وما علاقة الإصلاح الديني بأوضاعنا في السودان؟! أنا اشتغالي بالإصلاح الديني سابق لاستيلاء الحركة الإسلامية على السلطة في السودان، وسابق حتى لإصدار نظام مايو لقوانين سبتمبر عام 1983.. مطلب الإصلاح الديني تفرضه صيغة “التدين السلفي” القائمة على التيار الديني المعروف باسم مذهب أهل السنة والجماعة، الشائعة اليوم في معظم المجتمعات المسلمة ومنها السودان، ولكن أيضاً صيغة “التدين السلفي الشيعي” الأقل انتشاراً..
مجمل مفهوم الإسلام في أشكال التدين هذه أنه “الأحكام المنزلة من الله تعالى على رسوله محمد في القرآن والسنة، وهذه الأحكام لا يطرأ عليها تغيير أو تبديل لأنها تنزلت من خارج المجتمعات ولذلك فهي غير تاريخية”. هذا التصور للأحكام (أي الشريعة) بأنها لا ترتبط بأسباب نزولها، ولا بظروفها الاجتماعية المعينة، مصادم للعلم وللعقل ومنطق التاريخ والتجربة الإنسانية. وترتبت عليه نتائج وخيمة هي حالة التشظي الاجتماعي، والفقر الاقتصادي، والتبعية العلمية والتقنية، والتخلف الحضاري السائدة في المجتمعات المسلمة اليوم.
بنهاية القرن الخامس الهجري صار الإسلام السلطاني هو صيغة التدين المعتمدة في الدولة، وجرى تكفير ما عداه
بنهاية القرن الخامس الهجري صار الإسلام السلطاني هو صيغة التدين المعتمدة في الدولة، وجرى تكفير ما عداه
(*) هل المقصود أن “الإسلام القرآني” يقود لهذه التبعية؟
لا اقصد ذلك بالطبع، لكن إذا تتبعنا بدقة أحداث التاريخ الإسلامي، سنجد أن هناك ما يعرف بالإسلام السلطاني، وهذا التعريف للإسلام جاء لاحقاً لفترة الخلافة الراشدة، بعد أن استولى الأمويون على الدولة الإسلامية وحولوها لملك عضوض. هذا التعريف الجديد هو الناتج عن مساعي ملوك بني أمية والعباسيين للحفاظ على سلطانهم في إطار الدين الجديد. سلب هذا التعريف الجديد الإسلام، بحسب ما جاء في القرآن، مبادئ كلية عظيمة مثل العدالة والحرية والرحمة والعلمية.
وبدلاً من أن تكون الأحكام وسائل لتحقيق هذه المبادئ الكلية، تحولت إلى مجرد مدونة قانونية شكلانية تغطي الأنظمة الحاكمة بصبغة القداسة المرتبطة بالدين، ولكن خالية من مضامينه الأخلاقية المنظمة والضابطة للحكم والحياة. إسلام سلطاني!
هذا يعني أن هناك (الإسلام القرآني) ثم هناك (إسلام سلطاني) بدأ مع الأمويين وتواصل مع العباسيين، بنهاية القرن الخامس الهجري صار هذا الإسلام السلطاني هو صيغة التدين المعتمدة في الدولة، وجرى تكفير ما عداه، وهذا الإسلام السلطاني هو السائد اليوم. فالإصلاح الديني هو عملية تحرير الإسلام من الإضافات السلطانية مما ليس منه، واستعادة مبادئه الإنسانية الكلية من عدالة وكرامة وحرية ورحمة.. إلخ.
(*) وكيف انعكس هذا “الإسلام السلطاني” على التجربة السياسية للحركة الإسلامية في السودان؟
الإسلام السلطاني هو الذي وصل إلينا في السودان مع الإخوان المسلمين، واستولى على السلطة بالانقلاب – الغلبة هي أداة الوصول إلى السلطة – سنة 1989، كأول نظام حكم ديني سني معاصر، بعد 10 سنوات من أول نظام حكم ديني شيعي في إيران 1979. وأحدث بسبب مصادمته للعلم وللعقل ومنطق التاريخ والتجربة الإنسانية في السودان أضعاف ما أحدثه من أضرار في مجتمعات مسلمة أخرى، نراه في ما نعيشه اليوم من تشظٍ واحتراب وفقر وهوان وانهيار لمؤسسة الدولة، وذلك بسبب تنوع المجتمع السوداني الذي يتطلب آليات سليمة لإدارة هذا التنوع، تفتقر إليها هذه الصيغة من التدين تماماً.
الخطاب الديني العاطفي له عمر وذروة، يتناقص بعدها مفعوله، خاصة إذا كان خطاباً أجوفاً وبعيد عن الواقع
الخطاب الديني العاطفي له عمر وذروة، يتناقص بعدها مفعوله، خاصة إذا كان خطاباً أجوفاً وبعيد عن الواقع



