السودان

البيرقدار أكنجي تحت أرجل الدعم السريع .. هل ينهار التصنيع العسكري التركي؟

تقرير: راينو

لم يكن بيان إسقاط قوات الدعم السريع لطائرة “أكنجي” تركية الصنع بمنطقة بابنوسة بولاية غرب كردفان، فجر اليوم الأربعاء، أمراً مستغرباً للكثيرين؛ لا على مستوى استخدام الجيش السوداني لأسلحة ومسيّرات تركية الصنع، ولا على مستوى لجوء الجيش إلى الطيران في قصف المدن المكتظة بالسكان المدنيين، لا سيما في كردفان ودارفور، ولا حتى على مستوى نجاح مضادات الدعم السريع في إسقاطها. بيد أن مكمن المفاجأة يكمن في أن نوع الطائرة المُستهدَفة يوصف بأنه الجيل الأحدث تكنولوجياً لمسيّرة هجومية طويلة المدى، وتنتمي للفصيلة ذات الطبيعة التكتيكية التي اشتهرت بها “بيرقدار”، كما تقول لغة العسكريين. فما الذي تكشفه هذه الواقعة؟

طائرة البريقدار اقنجي

من بيرقدار إلى أكنجي:

إن طائرة بيرقدار أكنجي ترتبط بعلاقة وثيقة بطائرة بيرقدار التكتيكية، فكلتاهما تنتميان إلى صلب الشركة المصنعة التركية ذاتها، وهما جزء لا يتجزأ من السلالة التكنولوجية الواحدة. فكلتا الطائرتين، سواء “بيرقدار” المسيّرة التكتيكية، أو “أكنجي” المسيّرة الهجومية عالية الارتفاع وطويلة المدى، تُنتجهما شركة بايكار التركية، التي يملكها ويديرها سيلجوق بيرقدار.

وبحسب متابعات “راينو”، تُعتبر “أكنجي” هي الجيل الأحدث والأضخم والأكثر تطوراً من سلسلة الطائرات المسيّرة التي استُهلت بالبيرقدار المشهورة ذات الحجم الأصغر. وفي المقابل، تمثل “أكنجي” قفزة نوعية؛ فهي طائرة أكبر حجماً، ثنائية المحرك، قادرة على حمل حمولة أكبر بكثير، وتصل إلى ارتفاعات شاهقة مما يسمح لها بأداء مهام قتالية واستخباراتية أثقل وأطول مدى من سابقتها “بيرقدار”، وذلك وفقاً للعديد من المواقع ذات الاهتمامات العسكرية والتسليحية. وتستثمر هذه الطائرات في الخبرة الأساسية التي راكمتها شركة بايكار في أنظمة التحكم والطيران والبرمجيات القتالية، بيد أن الطائرة الأخيرة التي أسقطتها قوات الدعم السريع تمثل تدرجاً في القوة والقدرة ضمن هذه العائلة.

وتُعرف المسيّرة التركية “بيرقدار” بكونها “مُغيّرة لقواعد اللعبة” في الحروب الحديثة. فمنذ بزوغها، استقطبت “بيرقدار” اهتمام الدول الباحثة عن قوة جوية هجومية بتكلفة زهيدة، مما أسهم في تعزيز مكانة تركيا كقوة صاعدة في مضمار صناعة الدفاع. ومع ذلك، فإن تزايد إعلانات إسقاط هذه الطائرة، خاصة في سياق النزاع السوداني الأخير والحرب الروسية الأوكرانية، يهدد بتقويض هذه السمعة الراسخة ويطرح تساؤلات جدية حول مستقبل الإقبال عليها في السوق الدولي.

تحوّل التفوق إلى ثغرة:

يرتبط نجاح تسويق المسيّرات التركية، بحسب تحليلات الكثير من المهتمين، بفعاليتها في بيئة نزاع تفتقر إلى دفاع جوي متطور ومنظم، وليس بالضرورة بقدراتها المطلقة. وبحسب مصدر عسكري رفيع سابق بالجيش السوداني – فضل حجب اسمه لحساسية الموضوع- في حديثه لـ”راينو”، فإن طائرات “بيرقدار” وما تلاها من نُسخ أظهرت تفوقاً تكتيكياً ساحقاً ضد المعدات السوفيتية القديمة، وساهمت في حسم معارك قصيرة الأمد في ليبيا وأذربيجان وسوريا. لكن مع ولوج النزاعات مراحل أكثر تعقيداً، وتكيّف الخصوم مع تكتيكاتها، بدأت سمعة “بيرقدار” تتآكل شيئاً فشيئاً.
ويوضح المصدر أن الأداء الذي اعتُبر يوماً تفوّقاً تكتيكياً ساحقاً تحوّل إلى نقطة ضعف مع دخول منظومات دفاع جوي متقدمة إلى ساحة المعركة، ومع تطور قدرات الحرب الإلكترونية والتشويش، التي أصبحت قادرة على تقويض قدرتها على الملاحة الدقيقة والتصويب المستقل.

إيقونة الأتراك هدف استراتيجي للدعم:

في الوقت الذي احتفى به الجيش السوداني ومناصريه من أنصار النظام البائد بامتلاكهم لهذه الطائرة منذ الشهور الأولى في الحرب، كانت قوات الدعم السريع تعمل على خلق نموذج حي على كيفية تحوّل الأصول العسكرية من أداة حسم إلى هدف دعائي وعملياتي رئيسي.

وطبقاً لرصد “راينو”، فإنه مع اندلاع الحرب في أبريل 2023، أصبحت طائرات “بيرقدار” التي زودت بها تركيا الجيش السوداني بمثابة عمود فقري للعمليات الجوية للجيش، مما مكنه من تنفيذ ضربات دقيقة والاحتفاظ ببعض المواقع الحيوية، وأثبتت قيمتها كأداة لا غنى عنها في المعركة ضد قوات الدعم السريع المتوغلة في المدن، وهو الأمر الذي جعل هذه الطائرات تتحول إلى هدف استراتيجي ذو أولوية قصوى لقوات الدعم السريع.

وبدأت إعلانات الدعم السريع عن الإسقاطات في التزايد بشكل ملحوظ مع مرور الوقت وتطويرها لمنظومة المضادات الجوية، وبلغت هذه الإعلانات ذروتها في منتصف 2025، حيث أشار بيان رسمي لقوات الدعم السريع إلى إسقاط ما لا يقل عن سبع طائرات من طراز “بيرقدار” خلال ثلاثة أشهر فقط بين يوليو وأكتوبر 2025، مما يدل على نجاح الدعم السريع في تطوير القدرات الدفاعية الجوية أو في الحصول على أنظمة فعالة لمواجهتها. وصولاً لإعلانه اليوم عن إسقاط طائرة “أكنجي” الأكثر تطوراً والأغلى ثمناً، في منطقة بابنوسة بغرب كردفان.

وبحسب معلومات وفرها موقع “ميليتري أفريقيا” وطالعته “راينو”، فإن هذه الحادثة لم تكن الأولى من نوعها، إذ سقطت ثلاث طائرات “أكنجي” أخرى في السودان قبلها، ليصبح العدد الكلي للإسقاطات المؤكدة أربع طائرات حتى أكتوبر 2025، بينها واحدة قرب الفاشر في السابع من أكتوبر 2025، تم إسقاطها بحسب تقارير متعددة، بواسطة منظومة صينية الطراز إف بي-10 إيه المضاد للطائرات، وهو نظام صاروخي صيني قصير المدى للدفاع الجوي. وفي هذا السياق، أوردت شبكة السلامة الجوية هذه الواقعة في سجلاتها مصنَّفةً الحالة بـ”مُدمَّرة”.

دليل الدعم التركي بلا إنكار:

لا يبدو أن الدعم التركي للجيش محل جدل أو خلاف، إذ بدا واضحاً تعدد حوادث إسقاط المسيّرات التركية التي تقدمها للجيش بلا إنكار. وسبق ذلك أن نقلت صحيفة واشنطن بوست في مارس 2025 أن الجيش السوداني حصل على نحو ست طائرات “بيرقدار” ضمن صفقة تقارب 120 مليون دولار مع شركة “بايكار” التركية، مما يعني أن خسارة جزء منها تشكل نسبة مقلقة في منظومة محدودة العدد كهذه.

على المستوى العملياتي، أشار أيضاً تقرير مراجعة أوراسيا في سبتمبر 2025 إلى أن استخدام الطائرات التركية المسيّرة في السودان ترافق مع ارتفاع معدلات الوفيات المدنية، حيث سُجّل في عام 2024 نحو 4,478 وفاة مدنية، منها 51٪ نتيجة أسلحة جوية، وهو ما يتقاطع زمنياً مع بدء استخدام “البيرقدار” في أكتوبر 2024. كما وثّق مركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية أن السودان وحده شهد أكثر من 260 ضربة بطائرات مسيّرة خلال عام 2024 من أصل 484 سُجلت في القارة كلها، أي نحو 55٪ من إجمالي القارة. وهو ما يؤكد أن السودان أصبح واحداً من أكثر المسارح استخداماً للطائرات المسيّرة، مما يجعلها بيئة اختبار قاسية لأي منظومة مثل “البيرقدار” ونسختها “أكنجي”.

هل تنهار سمعة المنتج التركي؟:

هذه الانتكاسات، خاصة في السودان، تأتي بالتزامن مع فشل آخر من جبهات أخرى، وبحسب متابعات “راينو”، أظهرت الإحصاءات أن روسيا أسقطت العشرات من طائرات “بيرقدار” خلال عامَي 2022 و 2023، عبر مزيج من الدفاع الجوي المتقدم وأنظمة الحرب الإلكترونية، مما أجبر أوكرانيا على تقليص استخدامها في المهام القتالية وتحويلها إلى مهام استطلاعية محدودة.

كذلك في منطقة الشرق الأوسط، حيث أكدت قوات سوريا الديمقراطية وقوات الجيش السوري في إدلب إسقاط أكثر من خمس طائرات “بيرقدار” بين 2022 و 2024، كما خسرت القوات الموالية لحكومة طرابلس في ليبيا عدداً غير مُعلَن من الطائرات خلال اشتباكاتها مع قوات حفتر التي استخدمت دفاعات روسية الصنع.

تكرار هذه الإعلانات في مناطق نزاع متعددة يُرسخ الانطباع بأن “البيرقدار” لم تعد قادرة على العمل في الأجواء التي يسيطر عليها دفاع جوي منظم أو حتى قوات مجهزة بـأنظمة دفاع جوي محمولة على الكتف، بحسب المواقع ذات الاهتمام العسكري والتسليح.

عموماً، فإن الإحصاءات الدولية تروي الفشل؛ إذ تشير المعطيات إلى أنه وحتى أواخر 2025، فإن معدل الفقدان الإجمالي لطائرات “بيرقدار” في النزاعات الكبرى سواء أوكرانيا، ليبيا، سوريا، والسودان، قد تجاوز 15٪ من إجمالي الوحدات العاملة، وهي نسبة مرتفعة مقارنةً بمسيرات منافسة مثل الطائرة الأمريكية المسيّرة إم كيو-9 ريبر أو “الحاصدة”، أو وونج لونج الصينية. وتذهب تحليلات إلى أنه في السودان تحديداً، تراوحت نسبة خسائر “البيرقدار” ونسختها المطورة “أكنجي” بين 5 و 10٪ من إجمالي الأسطول المستخدم من قِبل الجيش السوداني. وهي تُعتبر نسبة مرتفعة في حسابات الكفاءة القتالية، خاصة لطائرة يفترض أن تعمل من خارج مدى الدفاعات المباشرة.

وبحسب المحلل العسكري، فإنه على الرغم من أن شركة “بايكار” ما تزال تحقق عقود تصدير ضخمة مع دول مثل السعودية، قطر، والباكستان، فإن الشكوك التي تراكمت بشأن قدرتها على البقاء في بيئة دفاع جوي نشطة تدفع بعض الدول إلى إعادة النظر في الطلبات. لذلك، تسعى الشركة حالياً إلى الإسراع في تطوير طائرتها المقاتلة المسيّرة “قزيل ألما” أو التفاحة الحمراء باللغة التركية، التي تتمتع بخصائص التخفي والرادار المحدود والتشويش الذاتي، في محاولة حثيثة لإعادة بناء الثقة في الابتكار التركي بعد الضربات الموجعة التي تلقتها سمعة “البيرقدار” و”الأكنجي” في السودان وأوكرانيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار