قوات الدعم السريع على وشك اقتحام الحامية الأخيرة للجيش وبالتالي السيطرة الكاملة على مدينة بابنوسة بغرب كردفان. المدينة التي كانت تنام على هامش الجغرافيا أصبحت تستيقظ في قلب النار، محاصرة من كل الجهات، ومخنوقة بأنفاسها.
ثلاثة محاور سقطت، وطائرة مسيّرة أُسقطت، وقبلها طائرة شحن عسكرية، وفرقة الجيش – الفرقة 22 – باتت محصورة في مربعها الأخير، فيما من تبقّى من المدنيين يعيشون في رعب لا ينتهي، وصمت رسمي لا يُكسر.
السؤال الأكثر قسوة: لماذا لا ينسحب الجيش والحال كذلك، كما فعل في مدن كثيرة قبلها قبل أن تتجه الحرب غربًا؟ ولماذا يختار أن يموت ومعه المدينة؟
أقول لك لماذا. وإجابة هذا السؤال تتعدى خطط الحرب والتكتيك العسكري. فالجيش الذي كان ينسحب من الخرطوم ومدني وسنجة وبقية مدن وسط البلاد بلا تردد، يتحول عندما يتعلق الأمر بغرب السودان إلى جيش آخر، فيختار البقاء حتى تتحول المدينة إلى رماد، ويصبح كل من عليها فانٍ ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام، ثم يفكر في الهرب والانسحاب. حدث ذلك في الفاشر، ويحدث الآن في بابنوسة!
فدارفور وكردفان بالنسبة لقوات سلطة بورتسودان ليستا مجرد مسارح عمليات، بل مناطق مارقة، يُصنّف جميع سكانها – حتى من يحاربون في صف الجيش – على أنهم “حواضن اجتماعية” لقوات الدعم السريع، وبالتالي إن لم يتم هزيمتها، فلتُهزم أرضهم التي يجب أن تدفع الثمن!
هذه هي عقيدة جيش الكيزان، تتجلى في سياسة الأرض المحروقة بأوضح صورها: حين يعجز الجيش عن السيطرة على الأرض في غرب البلاد – كما في جنوب البلاد سابقًا – يختار التدمير كرسالة انتقام من هذه المجتمعات التي لا يراها سوى مناطق خونة ومواطنين من الدرجة الثانية أو أدنى قليلًا!
إنها حرب الغرب .. على الإنسان والمكان معاً.
وبابنوسة اليوم ليست موقعاً عسكرياً، بل اختباراً اخلاقياً لدولة تمارس الخراب باسم الوطنية. فكل بيت يُقصف، وكل مدرسة تُدمَّر، وكل مشفى يُحرق، وكل بئر يُطمس، وكل طفل يُفقد تحت الركام، هو شاهد على انهيار المعنى نفسه: معنى أن يكون الجيش حاميًا لا قاتلًا لشعبه، وبانيًا لا مدمّرًا لوطنه!
إن الذين يحرقون المدن اليوم لا يخسرون الأرض فحسب، بل يخسرون الوطن كله. فالوطن لا يُبنى على رماد الجغرافيا، ولا على دماء الناس الذين كان يفترض أن يكونوا أهله لا أعداءَه!
بابنوسة تختصر المأساة كاملةً: في هذه الحرب، لم تعد ملامح الجغرافيا تُصاغ بالسياسة، بل تُمحى بالنار!