السودان

منعم سليمان يكتب: ليلة سقط فيها اللص وانكسر حدّ الذبح

بقلم: منعم سليمان

وسط عتمةٍ خانقة، دوّى صوت العدالة كالصاعقة، فزلزل عروش الفساد وأحيا في القلوب بارقة الفرح، إذ أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية مساء أمس فرض عقوبات على الكوز الانقلابي جبريل إبراهيم، وزير مالية سلطة بورتسودان ورئيس حركة العدل والمساواة، إلى جانب كتيبة البراء بن مالك الكيزانية الداعشية.

لم يكن ذلك قراراً عابراً، بل صاعقةً شقت عتمة السماء، وإشارةً بليغة إلى أن معاناة الشعب السوداني لا تزال حاضرة في مرأى العالم، وأن يد العدالة بدأت تضيق على أعناق أولئك الذين أشعلوا الحرب، وقتلوا السودانيين، وراكموا الثروات فوق دمائهم.

إن جبريل إبراهيم ليس مجرد وزير يرفل بلقبٍ رسمي، بل صورة صارخة لمفارقةٍ قاتمة: كوز حربائي متلون غادر، يتغطى بثوب الأدب والتهذيب، بينما هو كالأفعى: ناعم الملمس في الظاهر، سامٌّ قاتل في الباطن.

جاءت به الثورة طريداً معدماً، فإذا بها تضعه على خزائن المال العام، ليحوّلها إلى انقلاب ضدها ومصدر ثراء شخصي عبر شركة عائلية مشبوهة يتقاسمها مع شقيقه غير الشقيق عبد العزيز عشر، وابن خاله بشارة سليمان، في تحالف آثم مع شبكات إيران الأخطبوطية وحرسها الثوري.

والفساد في السودان ليس جديداً، لكنه في حالة جبريل يتجلى بأبشع صوره، إذ يجسد استهتاراً فاضحاً بمعاناة شعب طحنته المجاعة والأزمات، فيما يتنعم هو وذووه بترفٍ فاحش، متاجراً بآلامهم وجراحهم.

أما إدراج دواعش كتيبة البراء بن مالك ضمن قائمة العقوبات، فحدثٌ ذو وقعٍ تاريخي وأخلاقي عظيم. فهذه الميليشيا الإسلاموية، التي جمعت بين شعارات جهادٍ زائفة وأطماع نهبٍ وسلطة، لم تخلّف وراءها سوى جثثٍ ممزقة، وبيوتٍ محروقة، ودماءً مسفوكة. أشعلت الحرب، وارتكبت من الفظائع ما يخجل اللسان من وصفه: ذبحٌ للأعناق، قطعٌ للرؤوس، انتهاكٌ للأعراض، وتسلل ماكر إلى دهاليز الحكم لتعبّد الطريق أمام عودة الكيزان الكاملة تحت قناعٍ مدني باسم “الإسناد المدني”، هدفه السيطرة الكاملة على حاضر السودانيين ومستقبلهم.

إن هذه العقوبات تتجاوز آثارها المادية، فهي تهدم أسطورة الحصانة التي احتمى بها الفاسدون وتجار الدماء، وتعلن بصرامة أن لا مهرب من الحساب، وأن عين العالم قد تنام لكنها لا تعمى. وللسودانيين الذين أثقلتهم المآسي، تمثل هذه الخطوة نافذة ضوءٍ تتسلل إلى العتمة، تهمس بأن العدالة قد تتأخر لكنها لا تغيب.

ومع ذلك، يبقى الطريق محفوفاً بالمصاعب، فالعقوبات وحدها لا تقتلع جذور الفساد، ولا تفكك منظومة العنف الراسخة. لكنها سلاحٌ فعّال يقوّض بنيان الطغيان، ويفضح شبكاته، ويبث العزم في قلوب من يأبون الاستسلام.

وهي أيضاً إنذارٌ صارخ بأن للجرائم زمناً للحساب يتجاوز صلابة السلاح وبريق المال. غير أن الخطر سيظل قائماً ما لم يُقتلع الجذر العفن المتمثل في الحركة الإسلامية الحربائية الأخطبوطية من أساسها.

في ملحمة السودان الطويلة نحو الحرية، قد يبدو هذا الحدث مجرد فصلٍ في كتاب، لكنه فصلٌ كُتب بحبر الأمل. فالعقوبات على الكوز الفاسد جبريل إبراهيم وكتيبة الموت “البراء” ليست قراراً سياسياً فحسب، بل علامة فارقة تؤكد أن دماء الأبرياء لم تُهدَر، وأن العالم لا يزال يراقب ويقف إلى جانب الشعب السوداني الحر.

ولئن تحركت عجلة العدالة ببطء كطابعها، فقد تحركت أمس لصالح أحرار السودان، وما تأخر الوعد إلا ليأتي أشد وقعاً وأبهى أثراً.
النصر لنا .. والمستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار