السودان

مصر والجزائر وتحالف الفساد الأفريقي: كيف يدمرون حلم السودان الديمقراطي؟

تقرير: راينو

مقدمة:

في لحظة مفصلية من تاريخ السودان الحديث، وبينما تنهمر دماء الأبرياء في الخرطوم ودارفور وكردفان، وتشتعل الأرض تحت أقدام ملايين النازحين، تقف دول بعينها – وعلى رأسها مصر والجزائر – على الجانب الخطأ من التاريخ. تدّعيان الدفاع عن وحدة السودان واستقراره، بينما تُنفقان دبلوماسيتهما ومكانتهما الإقليمية في سبيل دعم سلطة انقلابية إخوانية، تسيطر على جزء من البلاد تحت حماية بنادق الجيش وتقاليد التسلط التي عششت في عواصم العسكر لعقود طويلة.

التحالف مع الانقلاب والانحياز ضد الديمقراطية:

منذ سقوط حكومة الثورة في أكتوبر 2021 إثر انقلاب عبد الفتاح البرهان، الذي جرّ البلاد إلى أتون الفوضى والحرب، لم تخف القاهرة ولا الجزائر دعمهما الصريح للمكون العسكري. ومع تصاعد الصراع وتأسيس قوى ديمقراطية مدنية لحكومة في نيالا، تسارع العاصمتان (العسكريتان)، ومعهما الصومال ومفوض الاتحاد الأفريقي الجديد، علي محمود يوسف، للضغط على الاتحاد الأفريقي من أجل إعادة عضوية السودان التي جُمِّدت عقب انقلاب البرهان في أكتوبر 2021 (قبل الحرب). هذا المسعى يتجاوز حدود السياسة إلى شرعنة الانقلابات العسكرية وتهميش إرادة الشعب السوداني.

مصر، التي لطالما خشيت انتقال عدوى الثورة والديمقراطية من السودان إلى ضفاف النيل شمالًا، ترى في أي سلطة مدنية مستقلة تهديدًا مباشرًا لنظامها الأمني. أما الجزائر، المتورطة في دعم جبهة البوليساريو وتفكيك وحدة التراب المغربي، فلا يحق لها التباكي على وحدة السودان، وهي التي تدفع بسخاء لفصل الصحراء الغربية عن بلدها الأم.

نيالا ليست حكومة ظل:

محاولة دعم سلطة بورتسودان، رغم أنها فاقدة لأي شرعية دستورية أو شعبية، لا تعكس فقط ازدواجية المعايير، بل تكشف كذلك عن الخوف العميق من نشوء تجربة حكم ديمقراطي خارج قبضة الجنرالات. فمدينة نيالا، التي تحتضن قوى مدنية من مختلف التيارات والمكونات، لا تمثل مجرد إعلان رمزي، بل تجسيدًا حقيقيًا لرغبة غالبية السودانيين في الانتقال من الفوضى إلى دولة القانون والمؤسسات.

إن بيانات مجلس السلم والأمن الأفريقي، التي صدرت برئاسة الجزائر، ورفضت التعامل مع “الحكومة الموازية”، ليست سوى محاولة لإجهاض هذا المسار. وتأتي بتنسيق واضح مع أطراف عربية ترى في أي تحول ديمقراطي خطراً على أنظمتها ذات الطابع الأمني-العسكري.

دور الاتحاد الأفريقي: انحياز فجّ ضد إرادة السودانيين:

لم يَعُد الاتحاد الأفريقي تلك المنصة التي تعبّر عن آمال شعوب القارة، بل باتت أداة تستخدمها حكومات سلطوية للحفاظ على الوضع القائم. المفوض الجديد، علي محمود يوسف، وهو من صوماليي (جيبوتي) الذي يفترض أن يلتزم الحياد، أبدى منذ وصوله تحيّزًا فاضحًا للجيش السوداني، وصل حد الإشادة بتعيين كامل إدريس رئيسًا لحكومة انقلابية لا وجود لها خارج بعض المكاتب الفارغة في بورتسودان. ولعل هذا الانحياز هو ما دفعه إلى إدانة حكومة نيالا الديمقراطية، دون أن يطرف له جفن لضحايا الحرب والانتهاكات المستمرة في دارفور وكردفان.

الصومال: اصطفاف غير مبرر:

الموقف الصومالي، رغم هشاشة وضعه الداخلي، بدا متماهيًا مع الضغوط المصرية والجزائرية. ويرى مراقبون أن موقف مقديشو لم يكن نابعًا من قراءة موضوعية، بل من إملاءات دبلوماسية تتقاطع فيها المعونات المالية والتحالفات الأمنية، خاصة مع القاهرة. إن اصطفاف الصومال إلى جانب أنظمة تسعى لإجهاض التجربة السودانية، يفقده جزءاً من احترامه في عيون الشعوب التواقة للحرية.
أما موقف جيبوتي فيمثلة وزير خارجيتها السابق ورئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي منذ 15 فبراير 2025، حيث بدا الرجل وكأنه موظفاً لدى سلطة بورتسودان الانقلابية، ربما لأنه إسلامي التوجه، ويمثل موقف الحكومتين الصومالية – لأصوله وجذوره – والجيبوتية بحكم مواطنته.

نحو موقف أفريقي جديد:

الصراع في السودان ليس مجرد خلاف بين عسكريين ومدنيين، بل هو مواجهة حقيقية بين مشروع دولة عسكرية/ اسلامية فاشلة، تقاد من الخارج، ومشروع دولة مدنية ديمقراطية، تُصاغ من رحم المعاناة الشعبية. وأمام هذا المشهد، يظل الموقف الرسمي للاتحاد الأفريقي، كما تقوده الجزائر ومصر، فاقدًا للمصداقية، وغير مؤهل لرعاية أي عملية سلام أو انتقال ديمقراطي حقيقي.

إن واجب القوى الديمقراطية السودانية، ومن يساندها من قوى حية في القارة والعالم، أن تفضح هذه التواطؤات وأن تطرح بديلاً أفريقيًا يُعيد تعريف الشرعية، لا على أساس من يملك الدبابة، بل على أساس من يملك التفويض الشعبي والدستوري.

الانقلاب الحقيقي:

ليست نيالا انقلابًا، وليست بورتسودان شرعية. إنما الانقلاب الحقيقي هو الذي وقع في أكتوبر 2021، بدعم إقليمي معادٍ للديمقراطية. ومَن يحاول اليوم إعادة تدوير سلطة العسكر في بورتسودان، إنما يريد وأد ما تبقى من حلم السودانيين في بناء وطن حر ديمقراطي. لكن للتاريخ منطقه، وللشعوب كلمتها الأخيرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار