السودان

منعم سليمان يكتب: جريمة كميل إدريس!

بقلم: منعم سليمان

في مدينة بورتسودان، حيث تتكسّر الأمواج على شاطئ الخداع السياسي، ويصرخ فيها كلّ شيء كفضيحة، خرج علينا الأسبوع الماضي كميل إدريس، بوجه مصقول بالكلمات المراوغة، مُعلنًا عن قرار بإنشاء وحدة شبابية تُلحق بمكتبه – أي مكتب رئيس الوزراء، حيث ينتحل الصفة!

تزامن قرار دمية البرهان مع خديعة كتيبة الموت الإسلامية البراء بن مالك، التي أعلنت عن تحوّلها إلى العمل المدني، أعقبها انتشار لافتات بصورة مريبة، تحمل اسم الهيئة الوطنية للإسناد (سند)، والتي انكشف كلّ شيء بشأنها، حين تبيّن تبعيتها المباشرة للبراء!

ولم يمضِ أسبوع على صدور قرار كميل، حتى تبيّن أن وحدته المزعومة ليست سوى ستارٍ رثّ لعودة الإسلاميين إلى المشهد، من باب “التمكين الناعم” عبر بوابة الشباب!

تلك الوحدة، التي رُسِمت على الورق بألوان التنمية وشراكة الشباب، تُخفي وراءها دخول “كتيبة البراء بن مالك” – الذراع الشبابي المتوحّش للحركة الإسلامية – كنصيبهم من المذبحة التي نصبوها، واستحقاقهم عن الخدمة الطويلة الدموية والمتوحّشة التي قضوها في سبيل عودتهم إلى السلطة!

إذًا، ها هي البراء، بعد أن عجزت عن العودة إلى الحكم على ظهر الدبابة، تعود عبر دمية فارغة ومتّسخة، تتوشّح بزّة مدنية، تحت عناوين “تمكين الشباب” و”تنمية قدراتهم”- نفس أولئك الشباب الذين ذُبحوا، ورُمُوا من أعلى الجسور، وأُغرقوهم في النيل ليكونوا طعامًا للتماسيح!

ما جرى لم يكن قرارًا عابراً، بل جسرًا أُقيم بعناية لعبور الإسلاميين إلى قلب السلطة، بعد أن لفظتهم الشوارع، وأُحرقت صورهم على الجدران، ودوّت ضدّهم هتافات: لا للعسكر، لا للكيزان

إنها ليست محاولة تبييض لوجوه بائسة فحسب، بل لماضٍ مضرّج بالدم، من مجازر القيادة العامة، إلى تصفيات الأحياء، إلى مطاردة الناشطين، واختطافهم، وتعذيبهم، وقتلهم!

الخطير في عودة “البراء بن مالك” أنها لا تأتي كحادثة فردية أو مغامرة عسكرية محدودة، بل كجزء من هندسة ناعمة لإعادة إنتاج الحركة الإسلامية بهدوءٍ وتدرّج، وبأدوات الثورة ذاتها. لقد بدأت بوجه تنموي، وبخطاب مدني مرقّع، لكنها تحمل نَفَسًا قمعيًا واضحًا. إنهم لا يبحثون عن سلام وإعمار، بل عن نسيان، لا عن إصلاح، بل عن إخفاء آثار الجريمة.

وهنا تتكشّف حقيقة المشروع: إنها ليست “وحدة شبابية”، بل وحدة اغتيال للذاكرة، محاولة ممنهجة لمحو أثر الثورة، وتفريغ الحراك القادم من مضمونه، وتدجين أجيال ديسمبر تحت عباءة النظام القديم، بوجوه خبيثة جديدة، وأرواح مشبعة بالعنف والدم.

كميل إدريس لم يكن سوى الشيفرة التي فضحت نصّ المؤامرة: خيانة مغلّفة بلغة مدنية، ومشروع يُعيد بثّ روح القمع عبر قنوات السلطة. لم يكن قرارًا عابرًا، بل إعلانًا صريحًا لانبعاث الجريمة في ثوبٍ جديد. لكن السودان لا يُحاصَر بكراسي السلطة، ولا تُختزل روحه في مكاتب مصقولة بالفراغ. إنما تُكتب ملامحه بالهتاف، وتُرسم على الجدران، وتنبض في عيون العائدين من المنافي واللجوء – حيث لا مقام للكيزان .. ولا مأوى للدُّم.

سُحقًا، كميل… العار يليق بك …. جدًّا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار