السودان

منعم سليمان يكتب: الفاشر.. مأساة الإنسان وسُلّم الكيزان!

بقلم: منعم سليمان

في خطوة تُعيد إلى الأذهان أحلك فصول النظام الكيزاني القديم المتجدد في بورتسودان، أعلنت سلطة الأمر الواقع هناك، التي تتدثَّر برداء الشرعية، طرد مدير مكتب برنامج الأغذية العالمي (WFP) ومديرة العمليات، ومنحتهما مهلة اثنتين وسبعين ساعة لمغادرة السودان.

خطوة مفاجئة في ظاهرها، لكنها تُخفي في باطنها كل سمات العقلية القديمة التي عادت بكل وحشيةِ الماضي وآلامه.

لم تُفصح وزارة خارجية السلطة عن الأسباب الحقيقية وراء القرار، واكتفت بالخطاب الهتافي المكرور، غير أن السبب الرئيس هو تواصل المسؤولين بالمنظمة – في إطار عملهم – مع “الوكالة السودانية للإغاثة” التابعة لتحالف “تأسيس”، والتي تعمل في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع بدارفور، وذلك للتنسيق حول إدخال خمسين ألف طن من المساعدات الإنسانية العاجلة إلى الفاشر، للمنكوبين الذين يواجهون الجوع والمرض هناك.

غير أن كيزان نظام الإبادة الجماعية، المتجدد في بورتسودان، الذين يرفعون كذبًا شعار “أنقذوا سكان الفاشر”، لا شيء يسوؤهم أكثر من إنقاذ سكان الفاشر. لذلك يُصنّفون الإغاثةَ الإنسانية هناك، انتهاكاً لـ”السيادة”، وهي مفردة ابتذلوها وأفرغوها من معناها الوطني والدستوري، كما أفرغوا “الكرامة” من معناها الأخلاقي والإنساني!

إنهم يستثمرون في معاناة أهل دارفور، إذ إن انتهاء معاناتهم يعني سقوط سُلّمٍ مهم من سلالم عديدة شيّدوها من أجل صعودهم إلى السلطة من جديد.

أما الحقيقة، فإن طرد مسؤولي المنظمة الأممية ما هو إلا خطوة سياسية في إطار سعيهم لعرقلة مساعي “الرباعية” – أو قل الثلاثية إن شئت الدقة – الرامية إلى تحقيق وقفٍ لإطلاق النار كهدنةٍ إنسانية تتيح إيصال المساعدات إلى المحتاجين.

إن هذا القرار الجائر ليس سوى حلقة في سلسلة التضييق على وكالات الإغاثة الدولية، ضمن سياسة الرفض الصريح لاتفاق الهدنة الإنسانية. فبرنامج الأغذية العالمي هو الجهة الأممية الوحيدة القادرة على تنفيذ العمليات الإنسانية في مثل هذه الظروف، ومنعُ نشاطه يعني عملياً إجهاض العملية برمَّتها وقطع شريان الحياة عن ملايين المدنيين المحاصَرين بالجوع والرصاص.

وما يجري اليوم ليس جديدًا، بل تكرارٌ مأساويٌّ لسياسات الحصار والعزلة التي مارستها سلطتهم القديمة – “الإنقاذ”- طوال ثلاثة عقود، حين تعاملت مع الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية بوصفها خصومًا، واستعملت ملف الإغاثة كورقة ابتزازٍ سياسي. وها هو التاريخ يعيد نفسه عبر بوابة بورتسودان، حيث يُكرِّر النظام ذاته الخطيئة ذاتها: يُضيِّق على الفقراء، يُغلق في وجوه الجوعى أبواب الرحمة، ثم يتبجَّح بالدفاع عن السيادة الوطنية!

إنَّ طردَ ممثلي برنامج الأغذية العالمي في هذا التوقيت العصيب، بينما يواجه ملايين السودانيين خطر المجاعة في دارفور وكردفان والخرطوم، ليس إلا إعلانًا صريحًا برفض السلام والإصرار على استمرار الحرب.

فالحاكمون اليوم في بورتسودان ليسوا سوى بقايا النظام البائد، عادوا بوجهٍ جديدٍ تُحركه من خلف الستار عقلية قديمة، تحمل ذات الذهنية الإقصائية وعداءها العميق لكل ما هو وطني وإنساني!

إن المجتمعَ الدولي مدعو إلى إدراك الحقيقة: إن من يُمسك بزمام الأمور في بورتسودان لا يعبأ بالإنسان ولا بمصيره، بل يُوظف معاناته وقودًا للعودة إلى الحكم.

وما لم يُواجه هؤلاء بالحسم والحزم الكافيين، فإن السودان يسير بخُطى ثابتةٍ نحو مجاعة كاملة وشاملة، بينما يجلس الكيزان هناك على أطلال وطنٍ يأكله الجوع والنار، يرفعون شعاراتِ السيادة زيفًا، ويتباكون كذبًا على إنسان دارفور، وهم من يقتله بالتجويع والرصاص.

*إنهم الكيزان: وجه الخراب، ويد الجوع، ولسان الكذب.*

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار