السودان

عبد الحفيظ مريود يكتب: السيطرةُ على الخيال، قبل الأرض: مصرُ وتغييب الوعي السُّودانيّ

بقلم: عبد الحفيظ مريود

لماذا وقع الإختيارُ على دنقلا، تحديداً؟

أنتَ تكرهُ الأسئلة، أعرفُ ذلك. فقط امهلني دقائق معدوداتٍ من وقتكَ الثمين. حسناً؟

طيّب..

في سنةِ 35 هجريّة، أرسلَ عمرو بنُ العاص، وكان والياً على مصر في وقتِ خلافة عثمان بن عفّان، أرسل جيشاً بقيادة عبد الله بن سعد بن أبي سرح، ليقوم ب “فتح” بلاد النُّوبة، أو النّوبا (عشان جماعة كدا ما يزعلوا. في أكثر من 3 معارك ألحق النُّوبا بجيش المسلمين هزائم نكراء. رجعَ الكثيرُ من الجيش بأعينٍ مفقوءة، حتّى سمّاهم المؤرخون “رُماة الحدق”. درّسونا أنَّ عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وقّعَ – لاحقاً، بعد بضع سنواتٍ – اتّفاقيّة “البقط” مع ملك النُّوبا، في دنقلا، عاصمة مملكة مقرّة. فلماذا جرى التوقيعُ في دنقلا؟

عادي..صح؟

لأنّها العاصمة.

لكنَّهم لم يدرّسوك، في صفوف المدرسة، بأنَّ دنقلا كانتْ عاصمة المملكة الوسطى. الفي النُّص. فلقد كان للنُّوبا المسيحيين ثلاث ممالك. أولاها جنوب مصر مباشرةً، هى مملكة “نوباتيا” وعاصمتُها “فَرَسْ”، شمال مدينة وادي حلفا (الآن تقع داخل حدود مصر، بعد بناء السّدّ العالي). تبتدئُ حدودُ مملكة “نوباتيا”، شمالاً، بعدَ مدينة أسوان، بنحو 10 كليومترات، وتنتهي، جنوباً، في بطن الحجر. وذلك يعني أنَّ جيش عبد الله بن سعد بن أبي سرح قد واجه جيوش النّوبا قبل مدينة أسوان. أجمعَ أغلبُ المؤرّخين العرب على أنَّ إبن أبي سرح لم يدخلْ أسوان جنوباً، فكيف يذهبُ ليوقّع اتّفاقية البقط في دنقلا؟

سيعسفكَ د. أحمد الياس حسين، العالمُ النّحرير، ههنا.

عنده، أحمد الياس، فإنَّ المؤامرة تبدأُ من هنا، قبل أنْ يأخذكَ إلى تفاصيل اتّفاقيّة البقط، والتى لا تستقيمُ عقلاً. إذْ كيف سيدفعُ المنتصر (ملكُ النُّوبا) 360 عبداً سنويّاً للمهزوم، المفقوء الأعين؟ وكيف للجيش المجاهد، الذي ينصبُّ همُّه على نشر الإسلام، أنْ يستورد مقادير هائلةً من الخمور للنُّوبا؟

شايف كيف؟

يذهبُ د. أحمد الياس إلى أنَّ المناهج اعتمدتْ – بشكلٍ متعمّد – على الرّواية التأريخيّة الوحيدة الشّاذة، والمخالفة لجميع روايات المؤرّخين، وهى روائة المقريزيّ، إمعاناً في تشكيل وعيكَ وخيالك. في الهيمنة عليه. وكما هو معلوم، فإنَّ ذلك سجعلكَ مؤهّلاً لتقبُّل الأكاذيب وتمرير المخطّطات، لأنّه تمّتْ صياغتُك.

ستنهضُ، شابّاً ظريفاً، معتقداً بأنَّ حدود السُّودان هى مدينة وادي حلفا. أو معبرىْ قسطل وإشكيت.

لا تعرفُ بأنَّ الحدود هذه وضعها إنجليزيّان هما لورد كرومر والجنرال كتشنر على باخرةٍ تتهادى على النّيل. وحين اعترض كتشنر بأنَّ حدود السُّودان تبدأ شمال أسوان، فهّمه كرومر الرّصّة. الرّصّةُ التى تجعلكَ تُصدّقُ – لاحقاً – بأنَّ عبد الرّحمن النّجوميّ قد استشهدَ في “توشكي، داخلَ الحدود المصريّة. ولنْ تقبل – بعدها – بأنَّ النّجوميّ وجيشه لم يصلوا مصر، فلقد كانتْ توشكي –في ذلك الوقت – داخل السُّودان. حين تقبلُ بذلك، فأنتَ – حتماً – ستقبلُ بأنَّ هناك قبائل مشتركة بين السُّودان ومصر، هم النُّوبيّون، العبابدة، البِشاريّون. وستقبلُ – بل ستشاكلُ – بأنَّ إبن إبي سرح قد حوّل كنيسةً في دنقلا العجوز إلى جامع، أو أنَّ أوّلَ مسجدٍ بُنىَ في السُّودان، هو مسجد الحجر “كلّو مسيد”، الواقع شمال دنقلا.

هل تهمُّكَ (حلايب – شلاتين – أبو رماد)؟ هل يهمُّكَ نتوء وادي حلفا (إشكيت – دبيرة – سَّرَّة)؟ هل يوجعكَ أنْ مصر تتوغّلُ، يوميّاً، في عمقكَ، فتقتلَ المعدّنيين، وتمشّطُ مئات الآلاف من الكيلومترات بمدرّعاتها، على أنّها “أراضيها”؟

لا أعتقدُ ذلك.

فمعركتُكَ واضحةٌ جدّاً : القضاء على آخر جنجويديّ، ثمَّ بعد داك نشوف.

أو أنَّ مصر هى التي آوتنا، أطعمتنا، طبطبتْ علينا حين شرّدنا الجنجويدُ من بيوتنا. ولو دخلتْ حتّى عطبرة – وهو ما تخطّطُ له فعلاً – فلن نقول لها قفي.

شايف كيف؟

هل فكّرتَ بأنَّ مصر كانتْ – طوال سنواتٍ – “تكتّل الشّحموطة لمقيلة أمباكر، كما يقولُ البقّارة؟

هل فكّرتَ في أنّكَ ربُّما تكونُ مخطئاً في تشخيص العدوّ، وتشخيص المعركة؟

عندكْ زمن لتفكير زى دا؟

لا أعتقد.

لأنّه تمّتْ قولبتك منذ وقتٍ بعيد. تمّتِ السيطرةُ على خيالكَ ووعيك.

لقد أصبحتَ تابعاً ظريفاً. يلعبون بكَ. يصنعون لكَ مناهج دراسيّة، يخضعونكَ لتشويهٍ ممتع، وأنتَ مستلذٌ بتعطيل عقلك وخيالك وقدراتك.

هل تساءلتَ أين هو التأريخُ النُّوبيّ لتلك الفترات؟

أين هو التأريخُ القبطيّ؟

هل يُعقلُ أنَّ النُّوبيين لم يؤرّخوا؟ لم يكتبوا حروباتهم؟ لم يحكوا إنتصاراتهم؟ لا يعرفون حدود وطنهم؟

جايز.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار