السودان

خطاب جماهيري لرئيس وزراء حكومة السلام والوحدة بمناسبة الذكرى ال(70) لإعلان الاستقلال

خطاب رئيس وزراء حكومة السلام بمناسبة الذكرى السبعين لإعلان استقلال السودان

التحية لشعوب السودان العظيمة، التي صبرت على المحن، وناضلت في وجه القهر، وقاومت الاستعمار والاستبداد بأشكالهما المختلفة، وقدّمت تضحيات جسام، دفاعًا عن حقها الطبيعي في الحرية، وصونًا لكرامتها الإنسانية، وسعيًا لا ينقطع نحو العدالة الاجتماعية.

والتحية للجيل الأول من الآباء المناضلين، الذين أدركوا، بوعيٍ مبكر ونفاذ بصيرة، أن الاستقلال ليس مجرد رفع علم فوق سارية، ولا احتفالًا عابرًا في سجل التاريخ، بل هو وعيٌ بالذات الوطنية، وإرادة سيادة حقيقية، والتزام أخلاقي ومسؤولية تاريخية لبناء دولة عادلة تعبّر عن شعوبها وتحمي مصالحها.

التحية لهم وقد تصدّوا للهيمنة والوصاية، وواجهوا قصور الرؤية السياسية للنخب التي ورثت السلطة دون أن تمتلك مشروعًا وطنيًا جامعًا يستوعب السودان بكل تنوّعه وتعقيداته. والتحية لشهدائنا الأبرار في كل بقاع السودان، وللجرحى والمصابين، وللمفقودين والمغيَّبين قسرًا، الذين حملوا راية التحرر جيلًا بعد جيل، وكتبوا بدمائهم وآلامهم وآمالهم تاريخًا مفتوحًا لم يُغلق بعد، لأن معركة الحرية لم تُحسم، ولأن مشروع الدولة العادلة لم يكتمل.

أخوتي المواطنون والمواطنات،

في مثل هذا اليوم الخالد، الأول من يناير عام 1956، أعلن أحرار السودان استقلال الوطن بعد نضال طويل ضد الاستعمار، فكان ذلك الإعلان تعبيرًا عن إرادة شعبية جارفة، وصوتًا جماعيًا مدويًا قال للعالم إن السودان يستحق أن يكون حرًا، مستقلًا، كامل السيادة على أرضه وقراره ومصيره.

وقد تصدّر تلك اللحظة التاريخية رجال وطنيون عظام، في مقدمتهم عبدالرحمن المهدي، ومحمد إبراهيم دبكة، والناظر جمعة سهل، والزعيم إسماعيل الأزهري، ومعهم قادة وطنيون ومثقفون ونقابيون وزعماء مجتمعات محلية، وجماهير واسعة من المدن والقرى والبوادي، من المركز والأقاليم، اجتمعوا جميعًا على هدف واحد، وصاغوا معًا لحظة الاستقلال، وجعلوها محطة فارقة في تاريخ السودان الحديث.

لكن الوفاء الحقيقي لتلك اللحظة لا يكتمل بالاحتفاء الرمزي وحده، بل يفرض علينا، اليوم، واجب المصارحة التاريخية. والحقيقة التي لا يمكن ولا ينبغي تجاوزها هي أن الاستقلال لم يكن استقلالًا مكتملًا، وأن الدولة السودانية لم تُبنَ منذ نشأتها على عقد اجتماعي عادل، ولا على مبادئ متوافق عليها تعبّر عن تطلعات ومصالح السواد الأعظم من الشعوب السودانية.

فقامت الدولة التي نُطلق عليها اليوم “دولة 56” على رؤى ضيقة في بنيتها، مستوردة في جوهرها، ومنفصلة عن الواقع الاجتماعي والثقافي والتاريخي للسودان، ومتعارضة مع حقائق ماضية وحاضرة لا ينكرها إلا من آثر المكابرة على الاعتراف، أو الإنكار على المراجعة.

لقد كان الاستقلال السياسي إنجازًا وطنيًا عظيمًا، لكنه ظل إنجازًا ناقصًا، لأنه لم يتحول إلى مشروع وطني جامع يُنهي التمييز البنيوي، ويعالج اختلالات السلطة والثروة، ويؤسس للعدالة الاجتماعية، ويصون وحدة البلاد على أسس طوعية، عادلة، ومستدامة.

وكان تحويل الاستقلال السياسي إلى مشروع دولة وطنية شاملة شرطًا لازماً للاستقرار والسلام والتنمية، لأن السودانيين ورثوا دولة مختلّة في بنيتها، منحازة في مركزها، إقصائية في إدارتها، عاجزة عن تمثيل تنوّعه الاجتماعي والثقافي والديني. ولم تبذل الأنظمة المتعاقبة على الحكم الجهد الضروري لتصحيح هذا الخلل التاريخي، بل قامت بتعميقها عبر سياسات قصيرة النظر، وانقلابات عسكرية متعاقبة، وتوجهات جهوية ضيقة، وتحالفات انتهازية جمعت بين السلطة والسلاح والأيديولوجيا.

ونتيجة لذلك، دخل السودان عهد ما بعد الاستقلال مثقلًا بالدماء منذ لحظاته الأولى. فقبل أن يجف حبر إعلان الاستقلال، بدأت الدماء تسيل في جنوب السودان، وبدأ النزوح الداخلي واللجوء إلى دول الجوار منذ عام 1955 مع اندلاع أول حرب أهلية في السودان الحديث.

ومنذ ذلك الحين، ظل الوطن يدور في حلقة مفرغة من الحروب الأهلية، والانقسامات السياسية والاجتماعية، وتآكُل الثقة بين الدولة وشعوبها، حتى انتهى الأمر بانقسام البلاد، التي كانت أكبر بلد في أفريقيا، إلى بلدين، وتهديد ما تبقى منها في وحدته وسلامه ومستقبله، بسبب ذات السياسات والعقليات التي لا ترى في الدولة سوى أداة للهيمنة والاستعلاء، ولا تعرف للاستمرار سبيلًا إلا عبر الحروب، التي دفعت ولا تزال تدفع الشعوب السودانية المهمشة ثمنها الأكبر.

إننا نحيي ذكرى الاستقلال السبعين، نواجه هذه الحقيقة المؤلمة بشجاعة ومسؤولية، لا بروح جلد الذات، ولا بمنطق الإنكار والمكابرة، بل بروح التأسيس لمستقبل مختلف، يتعلّم من أخطاء الماضي ولا يكررها.

أيها المواطنون والمواطنات،

إن الأزمة السودانية ليست أزمة أشخاص أو حكومات عابرة، بل هي أزمة دولة لم تُبنَ على أسس صحيحة منذ نشأتها. وهي أزمة بنيوية عميقة تمثل الجذور الحقيقية لكل حروب السودان، وتتمثل، في جوهرها، في اختلالات كبرى، من أبرزها:

– دولة مركزية مختلة، أُديرت بعقلية احتكارية، جعلت من المركز مصدرًا وحيدًا للسلطة والثروة والقرار، وهمّشت الأقاليم، وصادرت حقوقها الطبيعية في الحكم والتنمية، وحوّلت ملايين السودانيين إلى مواطنين من الدرجة الثانية، أو جرّدتهم من المواطنة كليًا.

– غياب عقد اجتماعي عادل يقوم على المواطنة المتساوية، واستبداله بأنماط حكم قائمة على الامتيازات والمحسوبية والولاءات الجهوية والقبلية والأيديولوجية، بدلًا من سيادة القانون وتكافؤ الفرص.

– فرض تعريف أحادي للهوية الوطنية، اختزل السودان في بعد ثقافي أو ديني واحد، وتجاهل ثراءه وتعدده اللغوي والثقافي والديني، مما خلق شعورًا عميقًا بالإقصاء والاغتراب داخل الوطن الواحد.

– عسكرة الحياة السياسية، وتحويل القوات النظامية من مؤسسات وطنية مهنية لحماية الدستور والشعب، إلى أدوات صراع على السلطة، وشركاء في الحكم، الأمر الذي قاد إلى انقلابات متكررة، وحروب مدمرة، وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

– بناء اقتصاد ريعي تابع، خُصص لخدمة نخب ضيقة، وربط السودان بدوائر تبعية خارجية، وأهمل القطاعات المنتجة، وترك الأقاليم الغنية بالموارد غارقة في الفقر والتهميش، بينما تُنهب ثرواتها باسم الدولة.

إن هذه الاختلالات ليست قدرًا تاريخيًا محتومًا، بل هي نتاج مباشر لخيارات سياسية خاطئة، واستمرارها يعني فقط إعادة إنتاج الفشل، وتجديد الأزمات، وتعميق معاناة الشعوب السودانية.

أخوتي وأخواتي المواطنين،

إن حكومة السلام، التي جاءت بإرادة شعبية واضحة ومشروع وطني معلن، لا تنظر إلى الإصلاح بوصفه عملية ترقيع أو تسويات مؤقتة، بل بوصفه فعل تأسيس تاريخي شامل للدولة السودانية، على مبادئ جديدة، عادلة، وقابلة للاستمرار. لقد أُهدرت فرص عديدة لبناء هذه الدولة على أسس الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحكم القانون. وكانت آخر هذه الفرص ثورة ديسمبر المجيدة، التي وحّدت السودانيين وفتحت أفقًا غير مسبوق للمستقبل.

لكن الحركة الإسلامية، باعتبارها التعبير الأوضح عن منظومات السودان القديم، تحالفت مع قيادة جيشها، القوات المسلحة، لإيقاف مسار الثورة عبر الانقلاب، وعندما فشل ذلك، اختارت إشعال حرب الخامس عشر من أبريل 2023. وكان الهدف من هذه الحرب واضحًا: قطع الطريق أمام التحول المدني الديمقراطي، وإجهاض مشروع إعادة هيكلة الدولة، والحفاظ على دولة الامتيازات والعنف البنيوي التي تضررت منها الشعوب السودانية، لا سيما المهمشة منها.

وتساند هذه الحرب اليوم قوى انتهازية وشعبوية استفادت تاريخيًا من اختلال بنية الدولة، وتسعى إلى إعادة إنتاجها بالقوة، لأن مصالحها تتعارض جوهريًا مع السلام الحقيقي القائم على العدالة الاجتماعية والمساواة.

إن الشعوب السودانية المتضررة من هذه الدولة المختطفة لن تتوقف عن نضالها المشروع من أجل التغيير. وكما فشلت بنادق السودان القديم، وعلى رأسها بندقية جيش الإسلاميين، في إخماد ثورات الشعوب منذ عام 1955، فإنها ستفشل اليوم، وهي أضعف وأكثر عزلة.

إن إيقاف الحرب لا يمكن أن يتحقق عبر حلول جزئية، أو اتفاقات نخبوية، أو معالجات أمنية ضيقة، بل فقط عبر معالجة جذورها التاريخية، وإعادة تعريف الدولة وعلاقتها بشعوبها، وذلك من خلال:

– بناء دولة المواطنة الكاملة دون أي تمييز.

– إقامة نظام لا مركزي حقيقي يعيد توزيع السلطة والثروة بعدالة.

– صياغة عقد اجتماعي جديد ودستور مدني ديمقراطي.

– العلمانية ضمانًا لعدم انحيازية الدولة وحماية الحريات.

– تأسيس منظومة أمنية وطنية جديدة، ومهنية خاضعة للسلطة المدنية.

– تحقيق العدالة والمحاسبة التاريخية وإنهاء الإفلات من العقاب.

– بناء اقتصاد وطني منتج يحقق تنمية عادلة ومتوازنة.

أخوتي وأخواتي المواطنين،

إن الشروع الجاد في مسار السلام بمعالجة جذور الصراع سيحوّل ذكرى الاستقلال من استعادة لماضٍ مثقل بالإخفاقات، إلى إعلان عهد جديد، واستقلال ثانٍ: استقلال من الحروب، ومن التهميش، ومن النخب المختطفة للدولة، ومن الحكم العسكري، ومن الرؤية الأحادية للتاريخ والهوية. هذا الاستقلال الثاني لن تصنعه حكومة وحدها، ولا نخبة معزولة، بل تصنعه شعوب واعية، منظمة، متمسكة بحقوقها، قادرة على حماية مشروعها الوطني، وبناء دولة تصون كرامتها وتحفظ مستقبل أجيالها.

وفي الختام، نجدد عهدنا لشعوب السودان بأن تكون حكومة السلام حكومة تأسيس لا إدارة أزمة، وحكومة تحول تاريخي لا مساومات، وحكومة شجاعة في مواجهة الجذور لا أسيرة للنتائج.

المجد والخلود للشهداء الأبرار، وعاجل الشفاء للجرحى والمصابين، والحرية والسلام والعدالة لكل شعوب السودان. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الأستاذ محمد حسن التعايشي رئيس وزراء حكومة السلام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار