المفارقة الطريفة في الأزمة الأخيرة داخل نقابة الصحفيين السودانيين أن المطالبين بالديمقراطية والمؤسسية والجمعيات العمومية، وأصحاب الصوت الأعلى في ذلك، لا يحبون كثيراً فتح دفاترهم القديمة.
قدم ثلاثة من أعضاء مجلس نقابة الصحفيين استقالاتهم، ثم جاء بيان من “شبكة الصحفيين السودانيين” يؤيد الخطوة ويعلن عمليا انتهاء تمثيلها داخل النقابة.
لا مشكلة حتى هنا، لكن ثمة تفصيلة صغيرة تستحق التوقف عندها:
عندما خاض هؤلاء انتخابات النقابة ترشحوا ضمن قائمة “المقاومة والتغيير”، ولم تكن هناك قائمة على بطاقة الاقتراع تحمل اسم “شبكة الصحفيين السودانيين”.
صوت لهم أعضاء الجمعية العمومية ليصبحوا أعضاء في مجلس النقابة، لكن عند الاستقالة عادوا فجأة ليصبحوا “ممثلي شبكة الصحفيين”، الشبكة لم تكن على بطاقة الاقتراع، لكنها “ظهرت” عند الاستقالة..!
وهذه وحدها تختصر جانبا من المشكلة: “هل مجلس النقابة يتكون من أعضاء انتخبتهم الجمعية العمومية، أم مندوبين عن أجسام وتنظيمات دعمت ترشحهم؟
وإذا كان هؤلاء يمثلون الشبكة، فمن أين جاء هذا التفويض؟ وإذا كانوا يمثلون الجمعية العمومية التي انتخبتهم، فكيف تحولت استقالتهم إلى إنهاء لتمثيل الشبكة؟
لكن المفارقات لا تتوقف هنا.
من بين أسباب الأزمة الاعتراض على تمديد دورة مجلس النقابة بسبب تعذر انعقاد الجمعية العمومية في ظروف الحرب وتشرد الصحفيين، إلى جانب الاعتراض على مشاركة النقابة في “تقدم” ثم “صمود”.
اعتراضان مشروعان للنقاش، لكن الكوميديا تبدأ عندما تكون الجهة التي ترفعهما هي “شبكة الصحفيين السودانيين”، فالشبكة التي اكتشفت خطورة تأخير الجمعية العمومية للنقابة، رغم أن لديها تجربة طويلة جدا مع تأجيل تجديد مؤسساتها هي.
انتخبت الشبكة في بداياتها سكرتارية، لكن الانتخابات لم تتحول بعد ذلك إلى ممارسة دورية لتغيير القيادة وتجديد التفويض، وما حدث لم يكن مجرد “سكرتارية قديمة” طال عمرها، بل نشأ مع مرور السنوات نظام أكثر غرابة: نواة محدودة ظلت ثابتة في قلب السكرتاريات المتعاقبة، بينما تغيرت حولها أسماء عن طريق “التصعيد”.
يخرج عضو، يستقيل آخر، يغادر ثالث، فيصعد بديله، وبعض الذين دخلوا بهذه الطريقة يستمرون بدورهم سنوات حتى يصبحوا جزء من التركيبة الدائمة، لكن النواة “المكنكشة” تظل موجودة، وهكذا أصبح للشبكة مركز “مزمن” ثابت، ودوائر متحركة حوله.
السكرتارية المزمنة تختار من ينضم إلى السكرتارية، ثم يصبح القادم الجديد عضوا في السكرتارية التي ستختار القادمين بعده، تداول ميزته الأساسية أنه يوفر على القاعدة مشقة التصويت..!
وكان التبرير أن الظروف الأمنية لا تسمح بعقد جمعية عمومية، في الوقت الذي كانت فيه الشبكة تنظم إفطارات رمضانية وندوات ووقفات احتجاجية واعتصامات وترفع لافتاتها عاليا.
لا يعني ذلك أن كل من صعد كان تابعا لأحد، أو أن كل اختيار كان سيئا، لكن السؤال أبسط: “من أين تستمد هذه الآلية شرعيتها إذا لم تعد إلى القاعدة”؟
وهنا تصبح المفارقة الحالية أكثر طرافة، فبعد أكثر من عقدين من إدارة الشبكة بهذه الطريقة، يصبح تأخر الجمعية العمومية في نقابة منتخبة، في بلد مزقته الحرب وشتت صحفييه، سببا للطعن في شرعية استمرار مجلسها بضعة أشهر.
لا أقصد الدفاع عن التمديد، الجمعية العمومية صاحبة السلطة، ومجلس النقابة ينبغي أن يعود إليها، لكن إذا كان هذا هو المبدأ، فمن حق الصحفيين أن يسألوا: :كم مرة تغيرت النواة القيادية “المزمنة” للشبكة عبر صندوق الاقتراع؟ وكم جمعية عمومية انتخبت السكرتاريات المتعاقبة؟ وكم عضوا دخل بالانتخاب وكم دخل بالتصعيد؟ ومن كان يملك قرار التصعيد”؟
والأهم: “كيف ظلت نواة بعينها حاضرة في السكرتاريات المتعاقبة كل هذه السنوات من دون انتخابات دورية، تمنح القاعدة فرصة الإبقاء عليها أو تغييرها”؟
هذه الأسئلة ليست جديدة، فأزمة تجديد السكرتارية ظهرت داخل الشبكة نفسها، ووصل الأمر في 2021 إلى الإعلان عن التحضير لمؤتمرها العام الأول وإعادة التكليف إلى القاعدة.
لكن المؤتمر بقي حبرا على ورق، وظلت “شرعية المقاومة” تقوم بالمهمة التي يفترض أن يقوم بها الصندوق.
ثم نصل إلى المفارقة الثانية:
تنتقد الشبكة مشاركة النقابة في “تقدم” ثم “صمود”، باعتبار أن الجسم النقابي ينبغي ألا يكون جزء من تحالف سياسي، حسنا، لكن صدور هذا الاعتراض من الشبكة يعيد فتح دفتر قديم، فهي شاركت في تجمع المهنيين السودانيين، والتجمع لم يكن جمعية لتوزيع بطاقات الصحافة، بل مارس دورا سياسيا بارزا ضد نظام البشير، ثم أصبح مكونا رئيسيا في قوى إعلان الحرية والتغيير وشارك في التفاوض والقرارات السياسية وهياكل التحالف، وكانت الشبكة موجودة هناك.
فإذا كان دخول النقابة في “تقدم” خطيئة لأنها جسم مهني، فما الاسم المناسب لمشاركة الشبكة عبر تجمع المهنيين في قوى الحرية والتغيير؟
ربما كان ذلك “نشاطاً مهنيا خارج ساعات العمل”..!
وفي مرحلة من المراحل، ومع تصاعد النقد، قدمت الشبكة باعتبارها “جماعة ضغط” للتنصل من الاستحقاق الانتخابي، والمشاركة السياسية، لكن لو أخذنا بهذا الوصف، فإنه لا يحل سؤال التفويض عندما تشارك جماعة الضغط في جسم يمارس عملا سياسيا وتختار ممثليها فيه. ثم إن الاستقالات جاءت بعد سنوات من مشاركة النقابة في “تقدم”، وكانت مشاركة النقابة نفسها ضمن تيار من تجمع المهنيين بعد انقسامه، ليعود السؤال المزعج: “من فوض الشبكة أصلا”؟ إذا كانت السكرتارية المزمنة لا تجدد دوريا بالانتخابات، فمن منحها حق اختيار ممثلي الشبكة في تجمع المهنيين؟ ومن كان يراجع مواقفهم؟ ومن يستطيع سحبهم أو تغييرهم، خصوصا أن تجربة الشبكة نفسها شهدت خلافا عندما رفض بعض من سحب منهم التكليف الانصياع للسكرتارية المزمنة؟ فمتى اكتشفت الشبكة أن الجمعيات العمومية ليست ترفاً تنظيميا؟ هل عرفت ذلك بعد تأسيس النقابة؟ وليس هذا وحده، بل هناك باب آخر يمكن فتحه على استحياء: “الورش والدورات وفرص المشاركات الخارجية”، فقد أقامت الشبكة علاقات مع منظمات محلية وإقليمية ودولية، وشارك أعضاء فيها وصحفيون آخرون في دورات وورش وأنشطة مختلفة، وكان السؤال الذي يدور وسط الصحفيين، جهرا وسرا: “كيف كانت تتم الترشيحات”؟ تداول صحفيون انتقادات بشأن مرور الترشيحات عبر دائرة محدودة وتكرار أسماء بعينها في الدورات والورش، حتى بدت بعض الفرص، في نظر منتقدين، كأنها برنامج اشتراك دائم لمجموعة محددة. كان ممكنا حسم هذا النقاش ببساطة: “إعلان معايير الاختيار وقوائم المستفيدين”، لكن ذلك لم يكن يحدث، فظل السؤال قائما: “هل كان الاختيار يقوم على الحاجة والكفاءة وتوسيع دائرة المستفيدين، أم على القرب من السكرتارية “المزمنة”، وعلى عدم إزعاجها بالنقد؟ ثم وصلت القصة إلى نقابة الصحفيين، فقد خاض محسوبون على الشبكة الانتخابات ضمن “المقاومة والتغيير”، وفاز ثلاثة منهم من أصل 39 مقعدا، وخسر مرشحها منصب النقيب. وعندما دب الخلاف عاد المستقيلون ليصبحوا “ممثلي الشبكة”، ثم أعلنت الشبكة انتهاء تمثيلها، ما يظهر مفارقة أخرى: “من انتخبته القاعدة الصحفية في مجلس النقابة، يمثل من؟ الذين انتخبوه أم التنظيم الذي ينتمي إليه”؟ إذا كان مندوبا للشبكة، فمن المفيد معرفة أين كان اسم الشبكة على بطاقة الاقتراع، وإذا كان عضوا منتخبا من الجمعية العمومية، فمن خارج الجمعية يستطيع تحويل مقعده إلى حصة تنظيمية؟ هذه ليست مسألة شكلية، بل تصل إلى جوهر الأزمة: “هل قيادة نقابة الصحفيين أفراد تنتخبهم الجمعية العمومية، أم محاصصة بين شبكات وتيارات وأجسام تتلقى توجيهاتها من خارج المجلس”؟ إذا كانوا أفرادا منتخبين، فالجمعية العمومية هي مصدر شرعيتهم، أما إذا كانوا ممثلين لتنظيمات خارج المجلس، فيمكن اختصار المسألة كلها: “توزع التنظيمات المقاعد بينها، وتوفر على الصحفيين عناء الانتخابات”. لا أحد يقول إن نقابة الصحفيين بلا أخطاء، ولا ينبغي منح مجلسها حصانة من النقد، بل يجب مساءلته عن التحالفات والتمويل والقرارات والتمديد والجمعية العمومية وكل موقف اتخذه باسم الصحفيين. لكن المسطرة التي نقيس بها الآخرين يجب أن تصلح لقياسنا نحن أيضا، فمن يسأل النقابة عن جمعيتها العمومية، فليخبر الصحفيين عن جمعيته، ومن يسألها عن نهاية التفويض، فليعرض تفويضه، ومن يرفض مشاركتها في التحالفات السياسية، فليشرح مشاركاته السابقة، ومن يسألها عن المنظمات والورش، فليفتح سجل علاقاته بها وكيف كانت توزع الفرص. ومن يقول إن ثلاثة أعضاء منتخبين كانوا “ممثلي الشبكة”، فليبدأ بالسؤال الأبسط: “متى انتخبتهم الجمعية العمومية للنقابة بهذه الصفة”؟ ربما تكون للأزمة الحالية فائدة واحدة على الأقل: “أنها أعادت إلى الوسط الصحفي سؤالين قديمين ظلا مؤجلين طويلا: “من يمثل الصحفيين فعلا؟ ومن فوض من يقول إنه يمثلهم”؟