السودان

رشا عوض تكتب: الانتخابات الإسرائيلية .. الدرس العربي والعبرة السودانية

بقلم: رشا عوض

إن الجانب المهم جداً الذي يجب أن ينشغل به العرب من الانتخابات الإسرائيلية هو الآتي:

أن هناك انتخابات تجري بصورة دورية ومنتظمة مهما تعقدت الظروف سلماً أو حرباً، وفي أجواء ديمقراطية يستفيد منها حتى الفلسطينيون (بالمناسبة هناك أحزاب ذات مرجعية إسلامية تتنافس على مقاعد الكنيست عبر القائمة الموحدة)، فالاستحقاق الانتخابي هناك هو الذي يعلو فوق صوت المعركة!

ولذلك هم ينتصرون في معاركهم!

أما في المنطقة العربية، فرغم علو صوت المعركة على كل شيء، على الديمقراطية، على حقوق الإنسان، على أصوات المظلومين والمسحوقين والجوعى، على صرخات القابعين في غياهب التعذيب!

صوت المعركة يعلو حتى على الأصوات العاقلة داخل النظم الحاكمة وتقدم لها نصائح ذات طابع فني وبراغماتي لمصلحة النظام المستبد نفسه!

مثلاً تقدم جنرالات من الجيش العراقي بنصيحة لصدام حسين نابعة من واقع خبرتهم العسكرية الفنية البحتة، مفادها أن الدخول في معركة مع قوات التحالف الدولي بقيادة أمريكا ستكون نتيجتها الحتمية هزيمة الجيش العراقي وتحطيمه، وأن خيار الانسحاب من الكويت استباقاً للحرب التي كانت على الأبواب هو الأفضل، من أجل المحافظة على العراق وجيشه، كان الرد رصاصة في رأس كل أولئك الحادبين وكل من تجرأ على موافقة هذا الرأي! وجميعهم بعثيون كانوا يعشقون صدام وكانوا يرغبون فقط في حمايته من جنونه! ولكن كان الشعار حينها لا صوت يعلو فوق صوت المعركة التي كان اسمها أم المعارك! فلا عجب أن تحولت إلى أم التقهقرات والانكسارات!

رغم كل هذا العلو المزعوم لصوت المعركة، ظل العرب يتلقون الهزيمة تلو الأخرى! حتى تراجعوا جميعاً إلى حالة اللامعركة! وأصبح شعارهم الجديد هو: لا صوت يعلو فوق صوت اللامعركة!!

انهزموا في الحرب! كما انهزموا في السلام! والسبب المفتاحي في عبارة “لا صوت” اللعينة هذه!

فلا شعب يمكن أن ينتصر وهو مكتوم الصوت! صوت الشعب يجب أن يكون عالياً مستعلياً على كل شيء حتى المعركة! لأن المعارك التي تجعل وسيلتها في الانتصار هي كتم أصوات شعوبها هي معارك خاسرة وفاقدة للقيمة حتى لو حققت نصراً عسكرياً!

لا صوت يعلو فوق صوت المعركة كانت ترجمتها في الواقع العربي هي: أن لا صوتاً نقدياً في السياسة أو الإدارة أو الاقتصاد، لا صوت ضد الفساد والمحسوبية! ولا صوت للخبرة العملية وللمعرفة الموضوعية وللاعتبارات الفنية وإن صدرت من داخل منظومة الاستبداد نفسها!

ولا صوت يعلو مطالباً بمناقشة أسباب الهزيمة لأن الهزيمة نفسها تتحول عبر الغوغائية والشعبوية الطائشة وكتم صوت العقل إلى نصر! وبالتالي تتكرر ذات الهزائم وذات الاحتفالات بالانتصارات المزعومة الوهمية! التي لا يجرؤ أحد على مساءلتها!!

مثلاً، لا أحد يجرؤ على السؤال عن الأسباب المنطقية التي تجعل معركة كطوفان اللاقصى انتصاراً تاريخياً! وقد فقد فيها الفلسسطينيون سبعين ألف قتيل وضعفهم من الجرحى ومدينة كاملة سويت بالأرض وتم احتلال نصفها! وحركة حماس تتفاوض ليس على دولة فلسطينية من النهر إلى البحر أو في حدود ١٩٦٧ م أو حتى في حدود غزة!!

بل تتفاوض على تسليم سلاحها وتفكيك سلطتها وقواعدها العسكرية! على فتح المعابر ومساحات التمدد الاحتلالي داخل غزة!!

السؤال تخذيل!

والنقاش الموضوعي خيانة عظمى!

ومساءلة حماس عن الهزيمة العسكرية كفر يستوجب حد الردة!

إن أي أمة لا تتعقل أسباب هزيمتها، ولا سيما الأسباب الذاتية التي تخصها، فهي موعودة بمزيد من الهزائم!

إنني كسودانية، وبحكم الموقع الهامشي لوطني العزيز في المخيلة العربية، لست في موقع يؤهلني لإسداء النصح للعرب أو التأثير على وعيهم بخصوص النفق الحضاري المظلم الذي هم داخله الآن ولا تلوح في الأفق مؤشرات لخروجهم منه في المدى المنظور، ربما يحدث ذلك بعد قرن أو قرنين والله أعلم.

ولكن ما يدفعني لتشريح بعض جوانب الواقع العربي هو ذلك الاشتباك الذي ما زال حاضراً في توجهات سياسية سودانية مع القضية الفلسطينية، ليس من موقع حقوقي وإنساني، بل من مواقع عروبية وإسلاموية أيدولوجية، تتسم بمغالاة ومبالغات تغذيها “عقدة الهوية” التي تجعل السوداني مندفعاً بطاقته القصوى لإثبات أنه ليس فقط عربياً ومسلماً بل هو حامي حمى العروبة والإسلام وحادياً لركب العرب والمسلمين في معاركهم، هذا الحمااس الساذج البريء، لم يقتصر على مظاهر تعاطف شعبي عفوية مع الفلسطينيين كتلك الموجودة في كثير من دول العالم بما فيها إسراائيل نفسها، ولكن الاندفاع وجد طريقه إلى سياسات الدولة السودانية وورطها في مواجهة مفتوحة مع الدولة العبرية، مواجهة لا تقتضيها مصلحة الدولة السودانية، بل هي مواجهة فرضتها طبيعة الثقافة السياسية للنخبة السودانية التي يغيب عنها وعي المصلحة وتسيطر عليها – ببركات اليمين واليسار معاً – الرومانسيات العروبية، ففي الستينات استقبل السودان الجنود والخبراء العسكريين المصريين والطائرات العسكرية المصرية لإبعادها من الاستهداف الإسرائائيلي، والآن الطيران المصري الذي كانت أرضنا ملاذاً له ذات يوم، يقصف أراضينا ويقتل مواطنينا من أجل الاستيلاء على ذهبنا! وذات الطيران قصف الأنصار في الجزيرة أبا مطلع السبعينات! تصدي حكومة حزب الأمة بقيادة المحجوب لمساندة مصر وقت أزمتها في ١٩٦٧ لم يشفع لأنصار حزب الأمة ويصرف عنهم حمم الطيران المصري المساند لدكتاتورية نميري!

أرسل السودان جنوده للقتال في كل معارك مصر مع إسراائيل، وتصدى لخوض معارك العرب السياسية والدبلوماسية بأقصى قوة تجلت في مؤتمر اللاءات الثلاثة بعد هزيمة ١٩٦٧، فماذا جنى السودان من ذلك سوى أنه وضع دولته في عين عاصفة ما زالت تعصف به حتى الآن؟ هل تغيرت نظرة مصر له كحديقة خلفية أو كحظيرة لا أدري؟ هل تغيرت نظرة العرب عموماً للسودان كهامش منسي؟

بعد انحسار موجة المد العروبي، وتراجع مصر نفسها عن عنتريات الناصرية، وتوقيعها لاتفاقية كامب ديفد للسلام وتطبيعها الكامل مع إسرائيل، وتسابق بقية الدول العربية نحو التطبيع بعد اتفاقيات مدريد وأوسلو، حلت على السودان كارثة حكم “الإسلام السياسي” التي أدخلتنا وبرعونة أكبر في صراعات إقليمية كارثية، عبر احتضان الجماعات الإرهاابية، والتورط في تفجير السفارتين الأمريكيتين في نيروبي ودار السلام، وصولاً إلى عمليات تهريب السلاح لحزب الله وحركة حماس عبر الأراضي السودانية ثم المصرية، وتخصيص ملايين الدولارات من مال شعبنا المسحوق بالفقر للحركات الجهادية، كانت النتيجة لكل ذلك الحصار والعقوبات الاقتصادية لعقدين من الزمان وحرمان بلادنا من فرص التنمية والتطور العلمي والتكنولوجي نتيجة العزلة!

أي قراءة عقلانية لسياسة السودان الخارجية تقتضي الاتفاق على أنه قد “آن أوان التغيير”، وآن أوان “تعظيم وعي المصلحة” وتصميم السياسات الخارجية على خدمة الدولة السودانية، وفي هذا السياق لا بد من الأخذ بعين الاعتبار تراكمات العبء الثقيل الذي وضعناه على كاهل دولتنا ممثلاً في مواجهات خطيرة وغير محسوبة، آن الأوان لإزالة هذا العبء عن كاهل السودان، والتحرر من استلاب العقل السياسي السوداني لسرديات الأيدولوجيات العروبية والإسلاموية التي تراجعت واندحرت في عقر دارها، وتحرر هذا العقل من التبعية العمياء لمصر، فيجب من الآن فصاعداً أن نتفق على “مركزة السودان أرضاً وشعباً ومصالح” في تفكيرنا، فقد ظلت “مركزية السودان” بمعنى أن تكون المصلحة السودانية هي محور دوران السياسة السودانية غائبة عن عقلنا السياسي حيناً من الدهر وما زالت غائبة حتى الآن إلى حد كبير رغم بعض بشائر اليقظة والتفكير خارج الصناديق القديمة.

لا بد أن تكون المصلحة الوطنية هي الغاية التي لا يُعلى عليها، وأن يكون معيار النجاح السياسي هو تحقيق سلام وأمان ووحدة وتنمية ونهضة السودان ورفاه شعبه في المقام الأول، السودان يجب أن يكون غاية مقصودة في ذاتها، لا وسيلة تكتسب قيمتها من حراسة البوابة الجنوبية لمصر، ولا من خدمة القضايا العروبية والإسلاموية والتطلع لريادة مستحيلة في النادي العربي والإسلامي الذي قرر التاريخ أن يضعنا في هامشه! فلماذا لا نستثمر هامشيتنا هذه- وهي أمر واقع لن يتغير مهما تنطعنا في تبني قضايا العرب- نستثمر هامشيتنا لخلق مركزيتنا الخاصة جداً، ونبحث في وشائج وحدتنا وتماسكنا كشعب يسكن هذه الرقعة الجغرافية من العالم، فنجتهد في أن تكون بلادنا سالمة وآمنة ومنتجة ومتطورة، تحتضن تنوعنا واختلافاتنا، عندما تنضج “مركزية السودان” في فكرنا السياسي، فإن هذا لا يعني أن السوداني ليس من حقه أن ينتمي لفكر عروبي أو إسلامي أو ماركسي أو أفريقاني بشكل مطلق ومتعسف، فالسودان كجزء من العالم المعاصر من الطبيعي أن تجد مختلف الأفكار والفلسفات في عالم اليوم طريقها إليه. وبما أن في السودان أقلية عربية، وفيه ملايين من المستعربين استعراباً ثقافياً عميقاً، كما فيه أغلبية مسلمة، فمن الطبيعي أن تكون الثقافة العربية والإسلامية جزءاً من مكونات هويته الوطنية ولكن دون أن يكون ذلك المكون مستعلياً ونافياً لغيره من المكونات الأصيلة في البلاد.

النضج الوطني الذي يعمق التمركز حول الدولة السودانية ومصالحها الجيوسياسية والاقتصادية يعني توظيف أي توجه فكري وسياسي لخدمة السودان، لا توظيف السودان وإهدار طاقاته وموارده ومصالح الدولة السودانية لخدمة الخارج انطلاقاً من ارتباطات أيدولوجية، وتعلقاً رومانسياً بهوية نحن نقبع في هامشها السياسي والاجتماعي مهما فعلنا، في حين أن هذا الخارج الذي يمثل منبع هذه الأيدولوجيات لا يضحي بمصالحه من أجلنا أو من أجل تلك الأيدولوجيات، وفي حين أن الدول التي تمثل مراكز الهوية العربية الإسلامية نفسها تعلي مصالحها كدول وطنية وعلى هذا الأساس تسالم أو تحارب أو تفاوض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار