السودان

محمد علي مهلة يكتب: الحراك الجماهيري ومواكب التعافي .. بداية لاستعادة مؤسسات الدولة

بقلم: محمد علي مهلة

هنالك واقع جديد يتشكل في مناطق اختصاص حكومة السلام، حيث بدأت المجتمعات والشعوب، عبر قواها السياسية والمجتمعية والفئوية، في تنظيم حراك جماهيري يعبّر عن رغبتها في التقدم إلى الأمام نحو التعافي وبداية استعادة جهاز الدولة الإداري والمؤسسات الخدمية. ونجد أن أكثر الفئات حماساً نحو هذا الحراك هي الأجيال الجديدة التي صمدت لثلاث سنوات، وهي سنوات الحرمان من الحقوق الدستورية؛ حيث استغلت سلطة بورتسودان، التي شكلتها الحركة الإسلامية، مفهوم الشرعية والسيادة، وعملت على حرمان مجتمعات كاملة من حق الانتماء، ومن اقتناء الأوراق الثبوتية، وكذلك حرمانهم من الاستفادة من المدخرات الاقتصادية؛ حيث عملت سلطة بورتسودان على تبديل جزئي للعملة في مناطق سيطرة جيشها دون بقية المناطق الأخرى، كما تعمل الآن على إجراءات تخص التطبيقات البنكية لذات الغرض. ولم تكتفِ بذلك، بل عمدت سلطة بورتسودان إلى حرمان عشرات الآلاف من الطلاب في مناطق كردفان ودارفور من الجلوس للامتحان الموحد للشهادة السودانية، ضاربةً بعرض الحائط جهودَ كل المبادرات الوطنية والدولية التي قدمت لمعالجة مسألة امتحانات الشهادة السودانية. كما أن سلطة بورتسودان استغلت مفهوم السيادة والشرعية واستخدمته في حرمان المجتمعات في دارفور وجزء من كردفان والنيل الأزرق من الاستفادة من خدمات الإغاثة والعون الإنساني. ووفقاً لهذا الواقع وتلك الدواعي، شكل تحالف السودان التأسيسي حكومة السلام الانتقالية لدواعٍ وطنية وأخرى تتعلق بحفظ السلم والأمن الدوليين.

وبعد أن أحرزت حكومة السلام الانتقالية تقدماً ملموساً في الكثير من القضايا، مثل إقامة امتحانات الشهادة السودانية، وبداية مشروع بسط العدل وسيادة حكم القانون بإنشائها النيابة العامة والجهاز القضائي والشرطة والآليات الاتحادية لحماية الأراضي الحكومية والساحات العامة، وقرارات ايقاف التصدير للفحم والحطب والأخشاب، وكذلك تشكيلها بعضَ المؤسسات الاتحادية الإيرادية كديوان الضرائب والإدارة العامة للجمارك، ومجلس العملة الانتقالي وديوان شؤون الخدمة… إلخ، فإن كل هذه المؤسسات الاتحادية هي تأسيس من الصفر. لذا فإن أصحاب المصلحة، خصوصاً الأجيال الجديدة من الطلاب الذين يرون في هذه الخطوات إنقاذاً لمستقبلهم الأكاديمي والمهني، خصوصاً مع إدراكهم ومتابعتهم للخطوات القادمة، والتي سيُعيَّن فيها مديرو الجامعات وإداراتها لاستئناف وتأسيس التعليم العالي، فهذه الأجيال الجديدة، كصاحبة مصلحة مباشرة، هي الأكثر حماساً في التعبير عن حراك التعافي وبداية الاستقرار.

نحن نعلم أن العقليات المركزية التي ورثت دولة المواطنة المؤقتة المنهارة، عبر تدبيرها لسلطة بورتسودان التمييزية العنصرية، منزعجة من حراك التعافي وشرعية الشعوب؛ لأنها كانت تعتقد أنها، عبر الفراغ الإداري واختطاف سلطة الدولة، تستطيع أن تنفذ خطة تفريغ هذه المناطق من السكان عبر جند تغييب الخدمات، وكذلك تغييب الجهاز الإداري لتوطين العنف في مناطق ظلت تاريخياً مسرحاً للحروب والتقسيم والتفتيت الاجتماعي. وما زاد انزعاج نخبة سلطة بورتسودان التمييزية العنصرية أنَّ استعادة الجهاز الإداري وبداية الخدمات جاءت بعد توافقات الحد الأعلى لتأسيس السودان الجديد، الواردة في ميثاق السودان التأسيسي ودستور السودان الانتقالي لسنة 2025، باعتبارهما أعظم وثيقتين خاطبتا جذور الأزمة السودانية في الدولة الموروثة من الاستعمار.

فأصحاب المصلحة سيستمرون في الفعل الجماهيري نحو التعافي وتأسيس وبناء الدولة على أسس جديدة عادلة.

وفي نهاية الأمر، نحن لم نقل إن مناطق اختصاص حكومة السلام الانتقالية ستنتقل بضربة لازب إلى التعافي التام، واستعادة الدولة وتأسيسها، وتقديم الخدمات. ولعلمنا بحجم التحديات، لدينا تصور للمراحل؛ لذا قسمناها إلى فترة ما قبل انتقالية تأسيسية بدأت الآن، وتنتهي بالإعلان الرسمي للحروب في السودان، وبعدها تأتي الفترة الانتقالية التأسيسية، ونحن تصورنا لها أن تستمر لعشر سنوات، لمعالجة جذور المشكلات المتراكمة خلال عقودها السبعة، وتقودنا في نهاية الأمر إلى تحول تاريخي ووضعية جديدة مختلفة كلياً عن وضعية الهيمنة والاستتباع والمركزية والآحادية، وسيادة الاقتصاد الطفيلي، ومشروعية الغلبة والعنف الموروثة من الاستعمار.

ان الأجيال الجديدة من الطلاب والشباب، هم الآن الأكثر مشاركة في حراك التعافي وإستعادة وتأسيس مؤسسات الدولة، لأنهم الأكثر تضررا من سياسات الحرمان التي تبنتها سلطة بورتسودان التمييزية والعنصرية، لذا هم على رأس قائمة أصحاب المصلحة في التأسيس وبناء السودان الجديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار