السودان

تقرير: من الخيانة إلى “أقتل”.. صحفيون سودانيون في مرمى الإرهاب

تقرير: راينو

مخاوف جمة وقلق مستشرى في عروق الخرطوم عقب عودة رسائل التهديد والتحريض بالقتل للصحفيين السودانيين. وآخرها ما تعرضت له الصحفية ورئيسة تحرير صحيفة التغيير الألكترونية رشا عوض في سياق سيناريو طويل وممتد من هذه التهديدات طالت العديد من الصحفيين منذ انطلاق الرصاصة الأولى لحرب 15 ابريل 2023م.. ووجه أحد الحسابات في السوشيال ميديا رسالة مخاطباً فيها ميلشيات النظام المباد وكتائب البراء وأجهزة معسكر الحرب، يدعوهم فيها إلى قتل رشا ، الأمر الذي أثار عاصفة من التضامن من الصحفيين ونقابتهم والدعوة لحمايتها والتحقيق في من يقف وراء ذلك.. فمن يقف وراء هذه الحسابات وما أسباب استهداف الصحفيين؟

ليست اول مرة

وطبقا لرصد “راينو” فإن التهديد بقتل رشا عوض لم يكن الأول من نوعه، فسبق أن تم استهدافها بالتهديد في بواكير الحرب وبعد ايام من يوم 15 ابريل، وأعلنت عوض حينها عن تعرضها لحملة تحريض تهدد حياتها، شملت تهديدات بالقتل وإدراجها ضمن قوائم تصفية، وذلك بسبب مواقفها الرافضة للحرب ودعواتها المستمرة للسلام والتحول الديمقراطي.

وأعادت دعوات التحريض على رئيس تحرير صحيفة التغيير، فتح ملف قديم لم يغلق بتاتاً، وشهدت راينو صدور أول قائمة مستهدفة في مايو 2023 حملت اتهامات بالخيانة والانحياز لأحد أطراف الحرب مصحوبة بتهديدات صريحة بالتعرض للأذى أو القتل،. وضمت الصحفي محيي الدين جبريل الذي كشف عن تلقيه رسائل عبر تطبيق واتساب تهدده بأنه سيكون الهدف التالي عقب مقتل قوات الدعم السريع على يد الجيش .فضلا عن عدد آخر من الصحفيين ظلت مواقفهم رافضة لاستمرار الحرب ما جعلهم عرضة للاحتكاك مع مؤيديه أو من مجموعات مرتبطة بالنظام السابق..

لم يكن محي الدين ولا رشا بمفردهم في دائرة التحريض والتهديد فتم تهديد الصحفية فدوى خزرجي ، والصحفية سمر سليمان..

لم يقف الأمر عند حدود التهديد بل تعدى ذلك الى ممارسات مادية، ففي يونيو 2023، تعرض الصحفي نادر شلكاوي، العامل بهيئة الإذاعة والتلفزيون السودانية، للاختطافوالتعذيب من مجموعة غير معروف انتمائها.

وشهد أغسطس/ سبتمبر 2023م بود مدني، صدور بوسترات تهدد وتتوعد وتصنف مجموعة من الصحفيين ضمت أنذاك مدير مكتب صحيفة الشرق الأوسط في السودان أحمد يونس، والسكرتير الاجتماعي لنقابة الصحفيين وليد النور، وعدد آخر من الصحفيين، على خلفية إعلان مواقفهم من الحرب ورفضهم الانحياز لأي طرف، وتم دمفهم حينها بأنهم محسوبون على الدعم السريع.

وتكرر السيناريو في أبريل 2026، حيث أُدرج اسم رشا عوض ضمن قائمة تضم 28 صحفياً تم استهدافهم عبر بلاغات من النائب العام ونيابة امن الدولة في بورتسودان، وضمت القائمة صحفيين آخرين منهم الجميل الفاضل، صباح محمد الحسن، شوقي عبد العظيم، فيصل محمد صالح، محمد لطيف، ماهر أبو الجوخ، زهير السراج، وغيرهم . وهو ما دفع الكثير للمراقبين لاعتبار أن ما يحدث عبارة عن ظاهرة مقصودة ومتعمدة.

وشهد مارس 2024م تهديدات وحملات التشويه والاتهام عبر الفضاء الإلكتروني للصحفية صباح محمد الحسن، وتم تهديدها بإهدار دمها فضىلا عن ملاحقات قانونية ضدها.

ويستر مسلسل التهديدات ليتطور وبدلا من صحفيين الصحافة المقرءة ليتم استهداف صحفيي الفنوان الفضائية.. وشهد فبراير 2025م أصدار نقابة الصحفيين السودانيين تحذيراً من حملة تحريضية استهدفت الصحفية مها التلب، مراسلة قناة الشرق، وأن ذلك يفتح الباب لأعمال انتقامية محتملة. وقبلها تكرر ذلك مع الصحفيات لينا يعقوب مديرة مكتب قناة الحدث العربية السودان، وزمزم خاطر، وسارة تاج السر والصحفي معمر إبراهيم.

بيد ان المفارقة العملية بحسب الكثيرين تتمثل في أن حملات التشويه وما يعرف بالتخوين تجاوز الخطاب إلى انتهاكات ملموسة وعملية، وحصرت نقابة الصحفيين السودانيين وقوع 556 انتهاك بحق الصحفيين والإعلاميين، الأمر الذي عده البعض بيئة عمل مسموة ومناخ غير قابل للعمل المهني.

من يقف وراء التهديد؟

يستهل المحلل السياسي عمر سفيان سالم حديثه لـ”راينو” برفض اي حديث عن أن ثمة طرف مجهول وراء التهديدات، مشدداً على ان الطرف معلوم ومعروف وقال:”البرهان ومن هم معه في سياق معسكر الحرب هم الذي يقفون وراء كل هذه التهديدات والتحريضات والانتهاكات وفق معيار واحد فقط لاغير وهو أن المستهدف قال ما لايرضي البرهان وفريقه من الاسلاميين والميلشيات واستخباراته والمجموعات التي تؤسسها، خصوصا الحديث عن زوقف الحرب”.

واعتبر سفيان أن وقف الحرب ستكون أكبر مصيبة تحل بمهندسي الحرب وهو الاسلاميين وفلول النظام المباد من الانتهازيين والسماسرة والجيش وقياداته، شارحا الأمر بأنهم لم يكن لهم ليعودوا للمشهد إلا عبر تفجير الحرب، وأضاف: “بالتالي وقف الحرب يعني ببساطة خروج الاسلاميين من المعادلة ومحاسبتهم على ما اقترفوه سابقا وحاليا، وتعني خروج البرهان الحالم بحكم السودان من السلطة وخضوعه للمساءلة، لذا فإن توعية الراي العام وهزيمة خطاب الحرب من عناصر مؤثرة ومعروفة يمثل خطرا على سردية الحرب وتبريراتها العنصرية المتفشية، وهو ما لا يريده هذا المعسكر”.

إفلاس خطاب الحرب

من جانبه يذهب الصحفي المستهدف نائب رئيس لجنة الإعلام في تحالف القوى المدنية” صمود” ماهر ابو الجوخ في حديثه لـ”راينو” إلى أن حملات التهديد والتحريض والتضييق على الصحفيين في السودان تمثل امتداداً لخطاب قديم معادٍ لحرية التعبير والصحافة، مشيراً إلى أن الجهات التي مارست هذا النهج طوال أكثر من ثلاثة عقود باتت متحالفة مع أحد أطراف الحرب، وتواصل، وفق تقديره، ممارسة الدور ذاته وبالمنهج نفسه.

وقال أبو الجوخ : “ الجهة التي تهدد الصحفيين في الخفاء هي ذاتها التي تقوم بفتح البلاغات ضد الصحفيين واغلاق الصحف واعتقلت الصحفيين وحاولت تقييد حركتهم ومنعهم من السفر، كما أنها تقف وراء حملات «الأخبار الكاذبة» و«المعلومات المضللة» و«خطاب الكراهية» لتضييق المجال أمام الصحافة وتسميم الفضاء العام السوداني اجتماعيا وسياسياً”.

وأضاف أن السياق الحالي يتفق في جوهره مع مسألة أوسع تتعلق بحق الصحفيين والصحفيات في التعبير عن آرائهم ومواقفهم بحرية، معتبراً أن الصحافة أصبحت في صدارة الأصوات التي تتعرض للاستهداف، لأنها باتت من أبرز الأصوات التي تكشف ما يجري وتضع الوقائع أمام الجمهور. مشيراً إلى أن القوى الداعمة للحرب، في تقديره، تنتمي إلى «قوى ظلامية» تعتقد أن الأفكار يمكن مواجهتها بالقمع أو التمييز أو التخويف أو حتي القتل، لكنه شدد على أن إسكات الأفكار بهذه الوسائل لم يعد ممكناً، وأن تصاعد التهديدات يكشف في جانب منه عجز خطاب الحرب عن مواجهة الخطاب المدني الرافض لها.

وربط أبوالجوخ تصاعد التهديدات بما وصفه بخطاب الحرب والعنصرية والكراهية والتمييز، إلى جانب الخطاب المناوئ لثورة ديسمبر المجيدة. وقال إن هذا الخطاب لم يعد يقتصر على التعبير السياسي، بل باتت له ممارسات على الأرض، معتبراً أن هناك «تماهياً كاملاً» بين المواقف والخطابات من جهة، والأفعال التي تقع على الأرض من جهة أخرى.

وأوضح أن استهداف الرموز والأشخاص الذين يقدمون خطاباً مدنياً رافضاً للحرب يمثل أحد أبرز مظاهر المرحلة الحالية، بالتزامن مع تراجع خطاب مؤيد للحرب والتعبئة لها، وقال إنه بات عاجزاً عن مواجهة الخطاب الرافض للحرب بالحجة والنقاش، فلجأ إلى التحريض والتخويف ومحاولة إسكات الأصوات المخالفة.

وفي ما يتعلق بالحساب الذي حرّض على قتل الصحفية رشا عوض، قال أبوجوخ إن لديه شكوك عميقة بأن الحساب المذكور لا يعبر عن شخص حقيقي بقدر ما هو واجهة لشخص أو جهات مرتبطة بالاجهزة الأمنية أو الغرف الإعلامية أو كليهما بغرض الانخراط في نوع من الحملات دون تحمل التبعات السياسية والقانونية والاخلاقية جراء ما يكتب في ذلك الحساب.

وأضاف إن الجهات التي تمارس هذه الممارسات تتجنب الظهور في الضوء ولذلك تقوم باخفاء نفسها. معتبراً أن إعلان التحريض ضد الخطاب المدني الرافض للحرب، وكذلك التصعيد ضد الخطاب المناوئ لها، يمثل «أعلى درجات الإفلاس».

وختم أبوالجوخ حديثه بالتأكيد على أن تصاعد حملات التهديد يعكس أزمة أعمق في خطاب الحرب، وأن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب الانتباه إلى العلاقة بين خطاب الكراهية والتحريض من جهة، والممارسات التي تقع على الأرض من جهة أخرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار