الفريق أول ميرغني إدريس، مدير منظومة الصناعات الدفاعية، يخضع لقيود وعقوبات أميركية وأوروبية
راينو: وكالات
على مدى أكثر من ثلاثة عقود، حاول نظام الإنقاذ والحركة الإسلامية الإرهابية تقديم منظومة التصنيع الحربي باعتبارها واحدة من أهم علامات الدولة القوية والقادرة على الاعتماد على نفسها في التسليح.
وتحوّلت هيئة التصنيع الحربي إلى منظومة واسعة عُرفت لاحقًا باسم منظومة الصناعات الدفاعية، وأصبح خطابها يتحدث عن إنتاج الأسلحة والذخائر والطائرات والمركبات المدرعة والدبابات، وعن نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعة، وعن قدرة السودان على التحول إلى دولة مُصنِّعة ومُصدِّرة للسلاح.
هذه السلسلة من التقارير تنطلق من منهجية إعادة بناء السلسلة الزمنية والفنية والمالية والإدارية للهيئة، من نشأة منظومة التصنيع الحربي، مرورًا بالأصل الأجنبي الدقيق لكُلٍّ من دبَّابتَي البشير والزبير، وصولًا إلى بنية الشركات التي تُديرها المنظومة، والقيادات التي تعاقبت عليها وصلاتها السياسية، والعقوبات الدولية التي كشفت آليات إخفاء الملكية والتمويل، وانتهاءً بالفجوة الصارخة بين أرقام الإنتاج المعلنة وما ظهر فعليًا من هذه الدبابات في حرب أبريل 2023 المستمرة، وهي الفجوة التي تشكل أقوى دليل ميداني على أن “صناعة الدبابات” السودانية كانت في جوهرها صناعة وهمٍ مربحة أكثر منها صناعة حديد وصلب.
لمحات من التأسيس
أُنشئت هيئة التصنيع الحربي (Military Industry Corporation) بمرسوم حكومي عام 1993 تحت الهيكل التنظيمي لوزارة الدفاع، بهدف تجميع وتطوير المنشآت الصناعية الدفاعية ونقل وتوطين التكنولوجيا العسكرية، وتطورت لاحقًا إلى شبكة واسعة من المجمعات والشركات ضمت مجمع اليرموك، ومجمع الشجرة للذخائر، ومجمع إبراهيم شمس الدين للصناعات الثقيلة، ومجمع الزرقاء الهندسي، ومجمع صافات للطيران وغيرها.
وأفادت دراسة حول الصناعة العسكرية السودانية أعدتها مؤسسة Small Arms Survey (التحقق من الأسلحة الصغيرة) – وهي مؤسسة بحثية دولية مستقلة مقرها في جنيف، سويسرا، تأسست عام 1999 وتُعد أبحاثها وتقاريرها من المصادر المهمة في دراسة السلاح والنزاعات – أفادت بأن المنتجات الصناعية الحربية السودانية كانت مُقلّدة من تصميمات بلغارية وصينية وإيرانية وسوفيتية، وأن مجمع اليرموك تحديدًا قد أُنشئ في التسعينيات بمساعدة خارجية مع مِلْكية إيرانية معلنة أو منسوبة إليه بنسبة 35% بحسب المصادر التي نقلت الدراسة، إلى جانب وجود مئات الفنيين الإيرانيين في مرحلة من مراحل المشروع.
وأُنشئ مجمع إبراهيم شمس الدين للصناعات الثقيلة عام 2002 داخل مدينة جياد الصناعية، وتخصص في تصنيع وصيانة المركبات المدرعة والمركبات الصناعية الثقيلة.
وتؤكد المعلومات ارتباط المجمع بالمركبات المدرعة والدبابات، ليصبح لاحقًا المصنع الذي حمل عبء إنتاج دبابتي البشير والزبير.
ورغم وجود ورش للتشغيل واللحام والتجميع ومعدات للصناعات الثقيلة وخطوط للصيانة داخل مجمع إبراهيم شمس الدين، يُفترض أنها قادرة على إعادة بناء أو تحديث دبابة أجنبية، لكن هذا لا يكفي وحده لإثبات امتلاك قدرة صناعية حقيقية ومستدامة لإنتاج الدبابات على نطاق مؤثر.
وحتى إن وُجدت هذه القدرة فهي لا تثبت أن السودان كان ينتج محركات الدبابات والمدافع وناقلات الحركة وأنظمة إدارة النيران وأجهزة الرؤية والفولاذ المدرع والإلكترونيات، بدءًا من المواد الأولية وصولًا إلى المنتج النهائي.
وتشير المعلومات عن الصناعة العسكرية السودانية إلى استمرار اعتمادها على المعدات والتصميمات والمكونات الأجنبية، وهي علاقة تظهر في حالة الدبابات بصورة أكثر وضوحاً، وتثير تساؤلات جوهرية حول حقيقة حجم التصنيع المحلي والقيمة المضافة فعليًا داخل السودان.
هذا السياق التاريخي حول التأسيس، يكشف أن التصنيع الحربي السوداني اعتمد منذ لحظته الأولى على تقليد ونسخ التكنولوجيا الأجنبية والتصميمات والمكونات المستوردة، وأن الخطاب الذي قدّم المُنتَج النهائي بوصفه “صناعة سودانية خالصة” من دون الكشف عن نسبة المكونات الأجنبية وحجم القيمة المضافة السودانية كان خطابًا مضللًا منذ البداية، صُمم بالتحديد لإخفاء الفجوة بين الكلفة الفعلية والسعر المفوتر على الدولة.
البشير: دبابة صينية باسم سوداني
ارتبط اسم دبابة Al-Bashir DAA01 بالدبابة الصينية Type 85-IIM / Type 85M-II، وتوصف بأنها نسخة سودانية من Type 85-IIM، بينما تخلط بعض المصادر الأخرى بينها وبين Type 96 أو Type 88، وتوضح الدراسات المتخصصة أن هذا الخلط موجود فعلًا وأن Type 85-IIM هو الأصل الأكثر اتساقًا مع الأدلة المتاحة حول “البشير”.
وكانت شركة NORINCO الصينية (China North Industries Corporation) – وهي شركة صينية حكومية تعمل في مجال الصناعات الدفاعية والتجارة العسكرية الدولية، ومقرها في بكين – من أهم الجهات المرتبطة بعائلة المعدات الصينية التي وصلت إلى السودان.
وأفادت مصادر عملت في الصناعات العسكرية السودانية بأن السودان حصل على تقنيات صينية وبدأ عمليات تجميع أوّلي لبعض الأنظمة.
وتُشير المصادر المُتخصِّصة كذلك إلى أن الدبابة Type 85-IIM ارتبطت بالتصدير إلى السودان، وأن البشير هو الاسم السوداني لهذه المنصة الصينية بعينها، وأن المنظومة القتالية الأساسية، والتصميم، والتكنولوجيا الجوهرية للدبابة، جميعها نشأت خارج السودان قبل أن يدخل السودان إلى مرحلة متأخرة من سلسلة القيمة، تُمثِّل التجميع الجزئي الذي يجب قياسه بمعزل عن الدعاية التي روّجت لـ “دبابة سودانية بامتياز”.
وتوجد أدلة أوسع تكشف طبيعة هذا النموذج من التوطين الجزئي المُقدَّم على أنه إنتاج كامل، ففي عام 2015 نقلت مصادر متخصصة أن السودان استقدم خبراء صينيين لتجميع بعض أجزاء نظام HJ-8 الصيني المضاد للدروع، بينما ظلت الصواريخ نفسها مستوردة من الصين.
وكان السودان قد حاول أيضًا إجراء صيانة وإصلاح للدبابة 85-IIM الصينية وتجميع جزئي للناقلة WZ-551.
هذا يعني أن المكوّن الأجنبي يدخل إلى السودان، وتجري محاولة تجميع جزئي محدود من عملية الإنتاج أو الصيانة، بينما تبقى الأجزاء الأساسية — المحرك والمدفع ومنظومة إدارة النيران والدروع الحقيقية — مستوردة بالكامل، وهو نموذج صناعي غير قابل للاستدامة من الناحية الهندسية البحتة، ويتحول لاحقًا إلى أداة احتيال مالي حين يُقدَّم للرأي العام على أنه تصنيع كامل، لأن نسبة “المحلي” في هذه الحالة تصبح قضية مالية بالدرجة الأولى وليست مجرد قضية لغوية أو تسويقية.
تشير المعلومات إلى أن الجيش حصل على الدبابات أو مجموعات منها وأن عمليات التجميع الجزئي المحلي ارتبطت بالمنظومة العسكرية السودانية، وتوجد بيانات تفيد بتسليم 10 دبابات Type 85-IIM إلى السودان بين عامي 2002 و2006 مع تجميعها في السودان، بينما تشير تقديرات أخرى إلى أن عدد الدبابات نوع البشير التي وصلت فعليًا إلى الخدمة يتوافق مع العدد ذاته، وتقدّره بعض المصادر بنحو 10 دبابات قبل حرب 2023. وأفادت دراسة لـ Conflict Armament Research (CAR) – وهي منظمة بحثية وتحقيقية مستقلة متخصصة في تتبع مصادر الأسلحة والذخائر المستخدمة في النزاعات المسلحة – بأن الجيش السوداني حصل على نحو 10 دبابة Type 85-IIM بين 2002 و2006، وأن إحدى دبابات البشير جرى فحصها بعد الاستيلاء عليها في جنوب كردفان بينما بقيت دبابة أخرى غير مفحوصة.
هذه الفجوة بين الأعداد القليلة التي تذكرها أفضل الأرقام المفتوحة المتاحة، والصورة الدعائية التي أوحت بإنتاج واسع النطاق، هي أول مؤشر ملموس على أن “خط الإنتاج” الذي رُوّج له لم يكن سوى واجهة لعدد محدود جدًا من عمليات التجميع، بينما استمرت المنظومة في تحصيل مخصصات مالية بالعملة الأجنبية وفق سردية إنتاج أكبر بكثير من الواقع.