السودان

وسام الشجاعة على طريقة البرهان: “قصة الضابط الذي لا تفوته مكافأة”!

راينو: وكالات

إن فكرة تكريم المقاتل برمز مادي يُعلَّق على صدره قديمة قِدَم الحرب نفسها. في روما القديمة كان الجنود الذين يُبدون بسالة استثنائية في المعركة يُمنحون قطعاً معدنية تُعرف بـ«الفاليرا» تُثبَّت على الدرع. وفي أوروبا الوسطى، تحولت هذه الممارسة إلى ما هو أكثر تنظيماً مع نشوء «رتب الفروسية»، وعلى رأسها وسام الرباط (Order of the Garter) الذي أسسه الملك إدوارد الثالث في إنجلترا عام 1348، وهو أحد أقدم الأوسمة التي ما زالت قائمة حتى اليوم.

ثم جاء القرنان الثامن عشر والتاسع عشر ليؤسسا الشكل الحديث لهذه الأوسمة. فالسويد أنشأت عام 1789 وسامَي «من أجل الشجاعة في الميدان» و«من أجل الشجاعة في البحر»، وهما أقدم وسامي شجاعة ما زالا مستخدمين إلى اليوم، بينما أسس جورج واشنطن عام 1782 في الولايات المتحدة «شارة الاستحقاق العسكري»، النواة الأولى لما يُعرف اليوم بوسام “القلب الأرجواني”.

بالتالي إن وظيفة هذه الأوسمة كما حدثنا عنها التاريخ تحددها المراجع العسكرية وعلم الاجتماع العسكري. فهي أدوات لتكريم البسالة والتضحية والخدمة الاستثنائية، ومحفز للروح المعنوية والتجنيد والعلاقات العامة للمؤسسة.
لكن عندما تضعف الرقابة المؤسسية، تُسلب هذه الأوسمة مضمونها لتُستغل سياسياً؛ فتحولها السلطة إلى أدوات ضمن ما يُعرف بممارسات “تحصين القيادة”، حيث تُستبدل المعايير المهنية ببناء “شبكات زبائنية” تهدف إلى شراء الصمت، وتثبيت الولاءات الشخصية، وصناعة روايات سياسية زائفة على حساب كفاءة الجيش.
وهذا الشق بالذات هو الذي يجعل الأوسمة عرضة تاريخياً للاستغلال السياسي، فحين تفقد المؤسسة العسكرية رقابتها الداخلية، يتحول الوسام من أداة تكريم للفعل إلى أداة لصناعة رواية سياسية، أو لشراء صمت، أو لتثبيت ولاء.
الأوسمة في الجيش السوداني
الجيش السوداني له منظومته الخاصة من الأوسمة والميداليات، المنصوص عليها في لائحة أوسمة وميداليات السودان التي أُقرت أساساً بعد عام 1961 وعُدّلت في عامي 1976 و1993.
تنص هذه اللائحة على أن الوسام أو الميدالية لا يُمنح للشخص نفسه مرتين، ولا تُرفع درجته من فئة إلى أعلى، إلا بعد مرور ثلاث سنوات على الأقل من تاريخ المنح الأول. كما تنص على أن الميدالية تبقى ملكاً شخصياً لصاحبها ولورثته من بعده كتذكار، دون أن يكون لأي منهم حق حملها فعلياً.
والأهم أن اللائحة تجيز، بأمر رئاسي، سحب الوسام أو نزع القلادة أو الوشاح إذا صدر عن صاحبه تصرف يخل بالشرف أو يتعارض مع الولاء للدولة. وهذا النص يفترض أن منح الوسام مشروط بسلوك يستحق الثقة، وأن الاستحقاق مرتبط بمعايير صارمة وشفافية إدارية.
بالنظر إلى النصوص والمواد في قانون القوات المسلحة وحتى في التطبيقات العرفية المستقرة، وكذلك بالإطار المفاهيمي العام المعمول به عالمياً لهذا النوع من الأوسمة، يُمنح وسام الشجاعة لمن قام بعمل شجاع في ميدان القتال أو أظهر روح التضحية والبطولة لحماية الأرواح والمعدات، ويُقلَّد الوسام من القائد الأعلى نفسه أو من يفوضه.
لكن المبدأ الجوهري الأهم في الأعراف العسكرية يكمن في الفصل التام بين «الخدمة الإدارية المتميزة» و«البطولة الميدانية».
فالعمل في السكرتارية أو المكاتب القيادية أثناء الحرب مهما كان شاقاً أو حساساً تخصص له لوائح الجيش أوسمة إدارية أو أنواط الخدمة الطويلة والممتازة. أما “وسام الشجاعة” فهو حكر حصري لمن واجهوا النيران المباشرة والموت في خطوط المواجهة الأولى.
أضف إلى ذلك تستوجب اللوائح العسكرية المنظمة صدور (تقرير عملياتي) موثق صادر عن القائد المباشر في ميدان القتال، يحدد بالزمان والمكان والتفاصيل المعركة التي أظهر فيها الضابط بسالته.
وبالتالي هذا التعريف، يعكس المنطق العام المتفق عليه عالمياً لهذا النوع من الأوسمة، هو تكريم لفعل استثنائي موثّق، بمكان وزمان وسياق عملياتي واضح، و ليس وساماً تقديرياً عاماً، ولا مكافأة على الأقدمية، ولا أداة لتصفية حسابات الولاء السياسي.
العقيد مدثر
في حالة العقيد مدثر عثمان عبدالرحمن سكرتير البرهان الذي تم منحه وسام الشجاعة، يغيب أي بيان عسكري أو (تقرير عملياتي) يوثق حيثيات هذا المنح. هذا الغياب، في مؤسسة تمتلك آلة إعلامية توثق أدق التفاصيل، يُسقط القيمة الإدارية للوسام ويجعله مجرد قرار سياسي ومحاباة شخصية تجافي الأعراف العسكرية.
لذا فإن ما جرى هو نموذج صارخ للقفز الهيكلي واستباحة اللوائح لصالح أصحاب النفوذ، وفضيحة مكتملة الأركان تكشف مرة أخرى الطبيعة الفاسدة للعلاقة بين القيادة الحالية للقوات المسلحة وبين منظومة التمكين التي بنتها الحركة الإسلامية الإرهابية داخل الجيش على مدى عقود، ولا يمكن بأي حال من الأحوال النظر إليه كخبر بروتوكولي عابر يمكن المرور عليه، من هو العقيد مدثر عثمان؟ تترابط الخيوط لتكشف من هو هذا الشخص و طبيعة الدور الذي أداه داخل هيكل السلطة.
الاسم الكامل هو “مدثر عثمان عبد الرحمن أحمد”، يعود أصله إلى منطقة أرتاوي في نطاق محلية بربر بولاية نهر النيل، إلتحق بالكلية الحربية عام 2011 وتخرج منها برتبة الملازم في 24 أبريل عام 2014 ضمن الدفعة 49 ونقل بعدها مباشرة إلى هيئة الاستخبارات العسكرية.
وهو متزوج من (حنان) وهي صيدلانية كانت تعمل في وظيفة مميزة بالإدارة العامة للخدمات الطبية (السلاح الطبي) وهي ابنة أخت علي كرتي — الأمين العام للحركة الإسلامية الإرهابية والمشرف التاريخي على تنظيمها العسكري داخل الجيش، والمفروضة عليه عقوبات أمريكية بتهمة عرقلة الحل السياسي في السودان وهو ما يجعله فرداً من الدائرة الأسرية الضيقة لكرتي.
ولعل هذه النقطة بالذات هي مفتاح فهم مسار مدثر بأكمله، فإذا كان علي كرتي هو المسؤول التاريخي عن التنظيم العسكري السري للحركة الإسلامية داخل صفوف الجيش، وإذا كان مدثر من أسرته المباشرة، فإن موقع مدثر لا يُقرأ فقط كترقية لصهر مقرَّب، بل كموقع وظيفي محدد الغرض، ألا وهو أن يكون حلقة الوصل التي تُترجم من خلالها توجيهات الحركة الإسلامية الإرهابية إلى قرار عملي داخل قيادة الجيش.
شغل مدثر عثمان وهو برتبة الرائد، قبل الحرب، منصب سكرتير بمكتب وزير الدفاع الأسبق الفريق أول عوض ابن عوف في عهد الرئيس المعزول عمر البشير و المعروف بولائه التاريخي للحركة الإسلامية وبكونه أحد الأسماء المقربة من علي كرتي والداعمة لتحالف الحركة مع قيادة الجيش.
أي أن مدثر كان، في تلك المرحلة، حلقة الوصل بين مكتب وزير الدفاع الموالي للحركة الإسلامية وبين الحركة نفسها.
وبعد سقوط البشير في 11 أبريل 2019 واندلاع الحرب، انتقل مدثر إلى موقع مماثل تماماً لكن على مستوى أعلى، حيث تشير المعلومات إلى أن قائد الانقلاب عبد الفتاح البرهان عيّن المقدم مدثر عثمان سكرتيراً لمكتبه في الطابق الثالث بمقر القيادة العامة للجيش ومشرفا على حراسته وتأمينه.
بعبارة أخرى، هذا الشخص الذي كان يدير خط التواصل بين وزير الدفاع الإسلاموي والحركة قبل الحرب، أصبح هو نفسه من يدير خط التواصل بين القائد العام للجيش والحركة الإسلامية أثناء الحرب. هذا الانتقال المباشر يوضح دوره كحلقة وصل وشبكة نفوذ ممتدة بين الحركة الإسلامية وقمة الهرم العسكري.
مساعداً للملحق العسكري السوداني في أبوظبي
المعلومات في شأن هذا التعيين أنه تم دون المرور بـ”لجنة الاختيار” ودون الخضوع للامتحانات التنافسية المنصوص عليها في لائحة اختيار الملحقين العسكريين ومساعديهم.
وبالتالي يظهر الخلل في المساءلة الإدارية بوضوح، حيث كيف يُطلب من كافة الضباط التنافس والالتزام بالشروط القانونية، بينما تُنتزع الوظائف الحساسة وتُوزع كامتيازات شخصية للمقربين؟ هذا التجاوز الصريح للائحة يضرب مبدأ تكافؤ الفرص في مقتل، ويحول الوظيفة العسكرية من مسؤولية تُكتسب بالجدارة إلى هبة شخصية تُمنح بالولاء.
وهنا نتحدث عن وظيفة هامة، حيث أن موقع مساعد الملحق العسكري في دولة مثل الإمارات موقع عسكري حساس، والوظائف من هذا النوع يفترض أن تخضع لمعايير واضحة وإجراءات تنافسية تحفظ حق الضباط الآخرين وتمنع تحويل الوظائف العسكرية إلى امتيازات شخصية توزَّع بالمحسوبية.
وعندما يتم تجاوز لجنة الاختيار وعدم إخضاع ضابط للامتحانات التي يخضع لها بقية الضباط، فإن المسألة لا تعود مجرد “اجتهاد إداري” أو اختلاف في وجهات النظر. إنها فساد مؤسسي موصوف، وخرق فاضح للقانون وللإجراءات المنظمة لاختيار الملحقين العسكريين. من يسمح بهذا التجاوز يشارك في تدمير ما تبقّى من مصداقية المؤسسة العسكرية.
إذا كان باقي الضباط مطالبين بالتنافس والجلوس للامتحانات والمرور عبر لجنة اختيار، ثم تم تجاوز هذه الإجراءات في حالة مدثر، فهذه ليست مساواة. إنها محاباة مؤسسية صريحة، وسرقة موصوفة لفرصة كان يستحقها ضابط آخر أكثر كفاءة وأقل حظوة.
لم يُطلب من مدثر أصلاً أن يخضع للشروط والإجراءات التي طُلب من غيره الخضوع لها، ولم تتحرك أي جهة رقابية لمساءلة هذا التجاوز أو تفسيره.
إن وجوده بموقع حساس في الملحقية العسكرية بأبوظبي — ليس قطعا مساراً وظيفياً عادياً لضابط كفء يتدرج بالجدارة. إنه مسار موظَّف واحد يُنقل من موقع اتصال إلى موقع اتصال أكبر، في كل مرة قريباً من أعلى سلطة قائمة، وفي كل مرة دون منافسة معلنة أو معيار مهني واضح يفسّر الاختيار.
واقعة الطرد من الإمارات
في 9 ديسمبر 2023، أبلغت السلطات الإماراتية السفير السوداني في أبوظبي عبد الرحمن شرفي بأن ثلاثة من أعضاء البعثة الدبلوماسية السودانية أصبحوا “أشخاصًا غير مرغوب فيهم” (Persona Non Grata)، وطُلب منهم مغادرة الإمارات.
والثلاثة كانوا هم العميد الركن أحمد عبدالرحمن البشير — الملحق العسكري السوداني، والمقدم الركن مدثر عثمان — نائب/مساعد الملحق العسكري، ومحمد الضي — الملحق الثقافي.
ووفق المصادر التي نقلت عن مصدر دبلوماسي سوداني، مُنحوا مهلة للمغادرة، تم تحديدها ب 48 ساعة.
جاء ذلك عقب تصعيد لفظي حاد من الفريق ياسر العطا، مساعد القائد العام، ودولة الإمارات العربية المتحدة.
بعض المنشورات المتداولة زعمت أن دور مدثر في أبوظبي لم يكن دبلوماسياً بحتاً، بل شمل مهمة مراقبة غير معلنة تتعلق برصد الشخصيات المعارضة لنظام المؤتمر الوطني وحركته الإسلامية المقيمين في الإمارات والقيام بأنشطة إستخباراتية تتنافي مع الأعراف الدبلوماسية وتضر بالعلاقات بين البلدين.
عقب عودته إلى الخرطوم وتوليه مرة أخري سكرتارية مكتب البرهان تم ترقيته إلى رتبة عقيد، ثم مُنح لاحقاً وسام الشجاعة، ليتوج بذلك مساراً كاملاً من الامتيازات المستمرة دون انقطاع.
هذا التراكم من المعطيات — مهما تفاوتت درجة موثوقية كل مصدر على حدة — يرسم صورة مسار وظيفي واحد لا يتغير، فكل محطة فيه مرتبطة إما بعلي كرتي مباشرة، أو بمكتب من مكاتب القيادة العليا للحركة الإسلامية الإرهابية أو للجيش، دون أن تظهر في أي محطة منافسة معلنة أو معيار مهني واضح.

لعل المفارقة الأشد فجاجة أن القائد العام نفسه، ومعه هيئة القيادة، تجاوزوا السن القانوني المحدد للبقاء في مواقع القيادة العسكرية وفق التشريعات العسكرية. فالمؤسسة التي يُفترض أن تكون أكثر مؤسسات الدولة التزاماً بالقانون، بل الحارس الأول له، تُدار اليوم بواسطة قيادة تُتهم بتجاوز القيود المنظمة لبقائها، ثم تستخدم سلطتها غير الشرعية أصلاً لتوزيع الترقيات والوظائف والأوسمة داخل المؤسسة.

صحيح السودان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار