إن قصة الطائرة التي وصلت إلى الخرطوم من جدة، وفق الرواية المنسوبة إلى مصادر استخباراتية، بحسب إيدي كوهين، الباحث والمعلق الإسرائيلي المعروف، كانت- وفقًا للمعلومات المتوفرة – مدخلًا إلى ملف أوسع يتعلق بعملية إعادة تسليح الجيش السوداني خلال الحرب المستمرة منذ أبريل 2023. فالمسيّرة شاهبار – 2، في حال ثبوت دخولها الخدمة، ستكون جزءًا من منظومة عسكرية أكبر ترتبط بصفقة تسليح باكستانية واسعة، وبعلاقات إقليمية معقدة، وبمصادر تمويل لم تتضح جميع تفاصيلها بصورة علنية.
وتتجاوز أهمية هذا الملف نوع الطائرة أو عدد المركبات التي يمكن أن تصل إلى السودان. فكل صفقة تسليح كبيرة تحمل معها آثارًا طويلة المدى على المؤسسة العسكرية، وعلى الاقتصاد، وعلى علاقات الدولة الخارجية، وعلى شكل القوة العسكرية التي ستبقى بعد توقف الحرب.
وتزداد أهمية القضية في حالة السودان لأن عمليات التسليح تجري في ظل حرب داخلية طويلة، وفي ظل واقع سياسي تشكل بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021، ثم تحول بعد اندلاع القتال في أبريل 2023 إلى صراع مفتوح على السيطرة على الدولة ومؤسساتها.
الدور السعودي
احتل الدور السعودي موقعًا مهمًا في التقارير المتعلقة بالصفقة. ففي يناير تحدثت رويترز عن احتمال وجود دعم أو تسهيل سعودي، مع غياب دليل علني في ذلك الوقت على تمويل سعودي مباشر للصفقة. وفي أبريل نقلت الوكالة عن مصادر أن السعودية كانت قد توسطت في الصفقة، ثم سحبت دعمها المالي واعترضت على استمرارها.
الفارق بين التمويل المباشر والوساطة والتسهيل والضمانات المالية والدعم السياسي مهم في قراءة هذا الملف. فهذه الأدوات المختلفة تستطيع التأثير في قدرة الصفقة على الوصول إلى مرحلة التنفيذ، حتى عندما لا تكون الدولة الداعمة هي المشتري المباشر للمعدات.
وتبقى طبيعة الدور السعودي في الصفقة بحاجة إلى قراءة دقيقة تستند إلى الوثائق والتصريحات الرسمية. كما أن مرور طائرة عبر جدة لا يمثل في ذاته دليلًا على التمويل السعودي أو المشاركة السعودية في شراء الشحنة. ومن المعروف أن مدينة جدة مركز جوي ولوجستي كبير، وشركة بدر للطيران نفسها لديها نشاط ومكتب في المدينة، ولذلك يمكن أن يكون المرور عبرها جزءًا من مسار تجاري أو لوجستي طبيعي. تتغير الصورة فقط إذا أمكن إثبات طبيعة الشحنة، والجهة التي أرسلتها، والجهة التي دفعت تكاليفها، والجهة التي تسلمتها في السودان.
التسليح الخارجي وتطور طبيعة الحرب
مما لا شك فيه أن الحرب السودانية لا تعد شأنًا عسكريًا داخليًا محضًا. فمنذ اندلاعها ظهرت تقارير متكررة عن مصادر خارجية للسلاح والدعم والتمويل، وأصبحت العلاقات الإقليمية والدولية جزءًا من المشهد العسكري والسياسي. وفي أبريل 2026، قالت الأمم المتحدة إن الحرب دخلت عامها الرابع وسط أزمة إنسانية واسعة وانتهاكات جسيمة، مع استمرار تأثير العوامل الإقليمية والدولية في مسار النزاع.
ويؤدي تدفق السلاح الخارجي إلى تغيير طبيعة الحرب تدريجيًا. فالأسلحة الحديثة لا تضيف فقط قدرات جديدة إلى القوات التي تحصل عليها، بل تدفع الطرف المقابل إلى البحث عن وسائل للتكيف معها، سواء عبر الحصول على أسلحة جديدة أو تطوير أساليب التشويش والمراقبة والإخفاء والحماية. ومع استمرار هذا المسار، تتحول الحرب إلى عملية تراكم مستمر للقدرات العسكرية للطرفين المتحاربين.
قد يحصل أحد الأطراف على منظومة جديدة للمراقبة والاستطلاع، فيرد الطرف الآخر بوسائل إخفاء وتشويش. وقد تدخل المسيّرات المسلحة بأعداد أكبر، فتزداد الحاجة إلى أنظمة مضادة للمسيّرات. وقد تظهر منظومات دفاع جوي جديدة، فتتغير طرق استخدام الطائرات. وهكذا يصبح التطور العسكري نفسه عاملًا في إطالة عمر الحرب وزيادة تكلفتها، والأهم زيادة المعاناة على كاهل المواطن السوداني الذي لم يُستفتَ في هذه الحرب.
إن تجربة السودان خلال أكثر من ثلاث سنوات تقدم مثالًا واضحًا على حدود تأثير السلاح وحده. فقد تغيرت خطوط السيطرة في مناطق عديدة، وتطورت قدرات المسيّرات، وتعددت مصادر الأسلحة، وظهرت تقنيات جديدة في ميدان القتال، لكن هذه التطورات لم تؤد حتى الآن إلى إنهاء الحرب.
صفقة السلاح كالتزام طويل المدى
تجدر الإشارة إلى أن الرقم المتداول، وهو نحو 1.5 مليار دولار، لا يمثل بالضرورة قيمة الطائرات والمركبات وحدها. يمكن أن تتضمن الصفقات العسكرية الكبرى التدريب وقطع الغيار والذخائر والمحاكيات ومعدات الاختبار ومحطات التحكم والدعم الفني والصيانة والاتصالات والبنية التحتية اللازمة للتشغيل، وقد تمتد بعض الالتزامات لسنوات بعد تسليم المعدات.
ولهذا فإن الصفقة العسكرية الكبيرة يمكن أن تصبح علاقة استراتيجية طويلة المدى بين الدولة المستوردة والدولة المصنعة. فعند وصول الطائرات والمركبات يبدأ احتياج مستمر إلى قطع الغيار والصيانة والتحديثات والتدريب، وقد تحتاج بعض الأنظمة إلى خدمات فنية من الدولة المصنعة أو الشركات المرتبطة بها. هذا الجانب يجعل اختيار المورد قرارًا يتجاوز احتياجات المعركة الحالية، لأنه يترك أثرًا على بنية المؤسسة العسكرية وعلى علاقات السودان الخارجية لسنوات طويلة.
وتكتسب مصادر تمويل الصفقة أهمية خاصة بسبب الوضع الاقتصادي والمالي الذي تعيشه البلاد. فالصفقة التي تبلغ قيمتها نحو 1.5 مليار دولار تحتاج إلى معرفة مصدر الأموال وطريقة تحويلها وشروط الدفع والضمانات والالتزامات المستقبلية، وتزداد أهمية هذه المعلومات عندما يكون هناك طرف خارجي يشارك في التمويل أو التسهيل أو الضمان. كما أن تكلفة السلاح لا تتوقف عند سعر الشراء، إذ إن هناك تكاليف تشغيل وصيانة وتدريب وذخائر وقطع غيار ونقل وتخزين وحماية للمنشآت، ولذلك فإن قرار شراء السلاح يخلق التزامات مالية تمتد إلى ما بعد انتهاء الحرب. وهذا يجعل الشفافية في العقود العسكرية قضية مرتبطة بالسيادة والمال العام ومستقبل الدولة، وليس مجرد مسألة إدارية داخل المؤسسة العسكرية.