السودان

سلافة أبو ضفيرة تكتب: حوار سوداني – سوداني أم حوار “جنرال يحتضر”؟

بقلم: سلافة أبو ضفيرة

“عبد الفتاح البرهان” كيف يواجه خواء السودان بأشتات الكَلِم
حوار سوداني – سوداني أم حوار “جنرال يحتضر”

خرج علينا عبد الفتاح البرهان معلناً للمرة الألف عن كُرهه للحقيقة وحُبِه للكذب، مذكراً لنا بسؤال الفيلسوف اليوناني: ما الذي يجعل الناس يحبون الأكاذيب؟ فهم عندما يكذبون لا يجلبون المتعة كما يفعل الشعراء ولا يجلبون الفائدة كما يفعل التجار بل يكذبون من أجل الكذب نفسه!! وهذا هو حال “عبد الفتاح البرهان”، دعا إلى حوار سوداني – سوداني من أجل الكذب نفسه وليس رغبةً في إنهاء الحرب أو تسليم السلطة للمدنيين، ما عدا حزب المؤتمر الوطني وواجهاته.

بعد تجليات “البرهان” ودعوته لحوار الداخل ضارباً برأي الولايات المتحدة عرض الحائط، يظل السؤال الأكثر إلحاحاً هو، من هم السودانيون الذين سيجلسون إلى طاولة الحوار؟ ومن يملك حق تحديد من يُدعى ومن يُستبعد ومن يُحَاكم ومن تسقط عنه التُهم المفتراة؟

فالدعوة إلى حوار سوداني – سوداني، تبدو في ظاهرها رؤية لا يمكن الاختلاف حولها، فالسودان الذي أنهكته الحرب يحتاج إلى وقف إطلاق نار عاجل وإلى إيصال المساعدات الإنسانية وإلى حوار يقود إلى تسوية سياسية تنهي الحرب وتمهد إلى إعادة بناء الدولة على أسس “السودان الجديد”، لكن الحوار لا يصبح وطنياً لمجرد أن القاعة سُميت قاعة الحوار السوداني – السوداني، ولا يصبح شاملاً لمجرد أن بعض القوى السياسية والمدنية اجتمعت حول طاولة واحدة، فالمعيار الحقيقي للشمول في الحوار هو أن يمثل السودان بكل تناقضاته الاجتماعية والسياسية والجغرافية وألا يعيد إنتاج النخبة التي ظلت تحتكر تعريف الدولة والسياسة منذ الاستقلال وألا يكرس لإعادة إنتاج عقلية المركز والمتماهين معها، فأولئك هم واجهات المؤتمر الوطني بحق وحقيقة.

وهنا يبرز السؤال، إذا كان هناك تحالف سياسي وعسكري له نفوذ واسع في السودان كتحالف السودان التأسيس (تأسيس) غير موجود على طاولة الحوار السوداني – سوداني، فهل نحن أمام حوار وطني فعلاً، أم أمام تفاوض تديره مجموعة ضيقة من النخبة السياسية السودانية تريد إعادة حزب المؤتمر الوطني المحلول وحركته الإسلامية الإرهابية وتمكن “عبد الفتاح البرهان” في السلطة.

من يمثل السودان

لطالما كانت واحدة من أعمق أزمات السودان أن المركز ظل يقدم نفسه باعتباره (السودان)، بينما جرى التعامل مع الأطراف باعتبارها مناطق تحتاج إلى التمثيل أو الاستيعاب أو التهدئة أو الفصل من خارطة “السودان المركزي” وبكل أسف تماهت دول الشرق الأوسط العربية المسلمة مع هذا الطرح، معلنةً كرهها لكل ما هو أفريقي الثقافة والهوى في بلادنا، وأصبحت المنطقة العربية تحدد من هو مقبول ومن هو مرفوض داخل السودان ونتيجة لهذا الخطأ في التقدير تحولت مبادرات الرباعية والخماسية من وسيلة لمعالجة جذور الأزمة السودانية وإنهاء الحرب إلى إعادة إنتاج للأزمة نفسها داخل قاعات مكيفة يدعم من يمسكون بزمامها الهويات العروبية في السودان متجاهلين الهويات الأفريقية الأصيلة.

فهل سيناقش المتشابهون سياسياً حول طاولة الحوار السوداني – سوداني الأسئلة التي صنعت الحرب.. ومن يملك الدولة ومن يحدد شكل الجيش وكيف يتم توزيع السلطة والثروة في السودان وما هو موقع هامش السودان العريض في الدولة الجديدة وكيف نصنع المواطنة المتساوية.

“عبد الفتاح البرهان” الدمية التي تحركها أصابع الحركة الإسلامية الإرهابية وحزب المؤتمر الوطني المحلول، لا يكفِه أن يطلق الدعوة لحوار سوداني – سوداني فالعبارات الرنانة لا تصنع التسويات، فهذا الجنرال التائه يحتاج إلى الاعتراف بأن الحرب لم تكن مجرد خلاف بين الجيش وقوات الدعم السريع، ولا مجرد مؤامرة خارجية، إنها نتيجة تراكم طويل من أزمة الدولة المركزية، واختلال توزيع السلطة والثروة، وفشل النخب السياسية في بناء عقد وطني يستوعب كافة الشعوب السودانية.

ومن نقطة الفشل هذه تظل حكاية “عبد الفتاح البرهان” حكاية مواطن سوداني برع في الكذب و انحاز لرغبته في السلطة، صادف الثورة السودانية السلمية والمسلحة، كزهرة الشوك في البرية و حاول جاهداً اقتلاعها ولم يقوى، لشدة بأسها وتشبثها بأرض السودان، فمات في النهاية، بعد أن غرست ثورة الهامش أشواكها في أنامله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار