السودان

عادل سهل يكتب: حين حمل السودانيون الوطن في حقائبهم‎ (1)

بقلم: عادل سهل

‏بين المأساة… وصناعة الأمل.‏

‏‏من الاغتراب الاختياري، إلى النزوح القسري‎…‎‏‏

‏في المطارات، لا تبدو حقائب السودانيين متشابهة، غير أن شيئاً واحداً يجمع بينها‎…‎‏ ‏أنها تحمل من الذكريات والأوجاع ما لا تقيسه موازين المطارات‎.‎‏‏

ولم تكن تلك الحقائب تحمل الملابس وحدها.‏

حملت معها‎…‎

صور آباءٍ رحلوا وهم بعيدون‎.‎

وذكريات البيوت‎.‎

ومفاتيح منازل قد تكون سويت بالأرض، وقد لا يعود أصحابها إليها مرة أخرى‎.‎

ورسائل قديمة‎.‎

وشهادات جامعية‎.‎

وأسماء قرى لا يعرفها أحد خارج السودان‎.‎

وأحلاماً مؤجلة‎.‎

وقلوباً لم تكن ترغب في الرحيل‎.‎

وحملت شيئاً لا يُرى‎…‎

‏فقد حملت هذه الحقائب وطناً كاملاً، في حقائب صغيرة… ضاق بأبنائه، ولم يضق بهم ‏حبهم له‎.‎‏‏

‏لكن السودانيين لم يغادروا وطنهم لأنهم أحبوا الغربة‎.‎‏‏

‏فمنهم من خرج يوماً يحمل خبرته، ليشارك في بناء أوطانٍ أخرى، ثم يعود إلى وطنه محمّلاً ‏بالتجربة والحنين‎.‎‏‏

‏ومنهم من غادر لاحقاً بحثاً عن فرصة حياةٍ أفضل، وهو يعلّق على باب قلبه حلم العودة‎.‎‏‏

‏ثم جاءت الحرب‎…‎‏‏

‏فصار كثيرون يرحلون، لا لأن الغربة كانت خيارهم، بل لأن البقاء نفسه أصبح معركةً ‏يومية، وأصبح الرحيل، في نظرهم، أقل قسوةً من الانتظار‎.‎‏‏

‏حين كان السوداني يُستدعى… ولا يُهاجر:‏

كان موظف الجوازات في مطار الخرطوم يبتسم وهو يختم جواز السفر‎.‎

وكانت الأم تمسح دمعتها بطرف ثوبها، ثم تقول وهي تحاول أن تبدو مطمئنة‎:

“لا تطوّل الغيبة يا ولدي”

‎وكان الابن يبتسم بثقة، ويجيبها بالجملة التي حفظها السودانيون جيلاً بعد جيل‎:

“سأعود قريباً… إنها سنوات قليلة فقط.”

‎لم يكن أحد يومها يشعر أنه يغادر وطنه‎.‎

كان الجميع يعتقد أن الرحيل محطة، وأن العودة هي الموعد الحقيقي‎.‎

كانت الطائرة تقلع‎…‎

‏ويبقى السودان في القلب، كما بقي دائماً‎.‎‏‏

لم يكن السوداني في سبعينيات القرن الماضي يطرق أبواب العالم باحثاً عن فرصة ‏عمل‎.‎‏‏

بل كانت الفرص هي التي تبحث عنه‎.‎‏‏

وكان الطبيب السوداني اسماً يبعث على الثقة أينما حل‎.‎‏‏

وكان المعلم السوداني عنواناً للعلم والانضباط‎.‎‏‏

وكان المهندس، والقاضي، والضابط الإداري، والصحفي، والمحاسب، والأستاذ الجامعي، ‏يحملون معهم سمعةً صنعتها سنوات طويلة من التعليم الرصين، والخبرة، والاستقامة ‏المهنية والأمانة.‏

لم تكن تلك السمعة تُمنح بالمجاملة‎…‎‏‏

بل كانت تُكتسب بالعمل‎.‎‏‏

‏ولهذا لم يكن غريباً أن تستعين دول الخليج، وليبيا، واليمن، وغيرها من الدول العربية، ‏بآلاف الكفاءات السودانية في مراحل تأسيس مؤسساتها الحديثة، وأن تسند إليهم ‏مسؤوليات كبيرة في التعليم، والإدارة، والقضاء، والهندسة، والطب، والبلديات، وسائر أجهزة ‏الدولة‎.‎‏‏

لم يكن السوداني يذهب ليبحث عن مكان بين الناس‎…‎‏‏

بل كان يذهب لأن مكانه كان ينتظره‎.‎‏‏

وكان السودان، في تلك السنوات، ينظر إلى الاغتراب نظرةً مختلفة تماماً‎.‎‏‏

لم يكن الرحيل هروباً من وطن ضاق بأبنائه‎.‎‏‏

بل كان امتداداً طبيعياً لدور ظل السوداني يؤديه أينما حل‎.‎

كان يغادر وهو يعلم أن خلفه بيتاً ينتظره‎.‎

وأرضاً يعرفها‎.‎

وأهلاً يحصون الأيام حتى يعود‎.‎

ولذلك بقيت كلمة “العودة” جزءاً من عقد السفر، حتى وإن لم تُكتب في أوراقه‎.‎‏‏

ولم يكن ذلك الشعور وليد الحنين وحده، بل كانت له أرضٌ يقف عليها‎.‎

‏فقد كان السودان يومها يرسل أبناءه لأن العالم كان يطلب خبرتهم، لا لأنه عجز عن ‏احتوائهم‎.‎‏‏

‏وكان الاقتصاد السوداني يعكس صورةً تختلف كثيراً عما عرفته الأجيال اللاحقة‎.‎‏‏

‏ففي مطلع سبعينيات القرن الماضي بلغ الجنيه السوداني، وفق سعر الصرف الرسمي ‏الثابت آنذاك، قيمةً ثلاث دولارات أمريكية، في واحدة من أقوى مراحل العملة الوطنية ‏في أفريقيا والمنطقة عامة.‏

ولم تكن قوة الجنيه مجرد رقم في دفاتر المصارف، بل كانت انعكاساً لدولة تمتلك اقتصاداً ‏مستقراً، وجهازاً إدارياً وتعليمياً جعل أبناءها مطلوبين في أنحاء المنطقة، قبل أن يصبحوا، ‏بعد عقود، يبحثون هم أنفسهم عن فرصة عمل أو ملاذ آمن‎.‎

ولهذا كان السوداني يحمل جواز سفره وهو يعرف قيمة نفسه‎…‎‏‏

‏وقيمة ما تعلمه‎…‎‏‏

‏وقيمة الوطن الذي جاء منه‎.‎‏‏

وحين بدأت النهضة العمرانية والإدارية في عدد من دول الخليج، لم تكن أسماء السودانيين ‏مجرد أسماء في كشوفات الموظفين، بل أصبحت جزءاً من قصة البناء نفسها‎.‎‏‏

ولم يكن حضورهم حضور عمالة تبحث عن رزق، بل حضور خبرات استُدعيت للمشاركة ‏في تأسيس مؤسسات الدولة الحديثة‎.‎‏‏

في الإمارات، أسهمت كفاءات سودانية منذ البدايات، في التخطيط والإدارة والعمل البلدي؛ ‏فكان المهندس كمال حمزة من أبرز من قادوا العمل التنفيذي في بلدية دبي لعقود طويلة، ‏وكان المهندس السني بانقا من أوائل من تولوا إدارة بلدية أبو ظبي، ثم جاء الأستاذ أحمد ‏عوض الكريم ليواصل الإسهام في تطوير جهازها الإداري ومرافقها‎.‎‏‏

وتبقى العبارة المنسوبة إلى الشيخ زايد:‏‎ ” ‎أبغي دبي تصير مثل الخرطوم‎”‎، بما تحمله من ‏دلالة رمزية، جزءاً من الذاكرة المتداولة التي تعبّر – مهما اختلفت الروايات حول ألفاظها ‏الدقيقة – عن المكانة التي كانت تحظى بها الخبرة السودانية في تلك المرحلة، وعن الإعجاب ‏الذي تركته الخرطوم، يوم كانت إحدى أكثر مدن المنطقة تنظيماً وتخطيطاً‎.‎‏‏

ولم تكن هذه النماذج سوى جزء من جيل كامل من السودانيين الذين شاركوا في بناء ‏المدارس، والجامعات، والمستشفيات، والمحاكم، والوزارات، والبلديات، وشركات الهندسة، ‏ووسائل الإعلام، في السعودية، والإمارات، وقطر، والكويت، والبحرين، وسلطنة عُمان، ‏واليمن، وليبيا، وغيرها‎.‎‏‏

‏كانوا يبنون أوطاناً أخرى‎…‎‏‏

لكنهم لم يتوقفوا يوماً عن حمل وطنهم معهم‎.‎‏‏

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار