في المطارات، لا تبدو حقائب السودانيين متشابهة، غير أن شيئاً واحداً يجمع بينها… أنها تحمل من الذكريات والأوجاع ما لا تقيسه موازين المطارات.
ولم تكن تلك الحقائب تحمل الملابس وحدها.
حملت معها…
صور آباءٍ رحلوا وهم بعيدون.
وذكريات البيوت.
ومفاتيح منازل قد تكون سويت بالأرض، وقد لا يعود أصحابها إليها مرة أخرى.
ورسائل قديمة.
وشهادات جامعية.
وأسماء قرى لا يعرفها أحد خارج السودان.
وأحلاماً مؤجلة.
وقلوباً لم تكن ترغب في الرحيل.
وحملت شيئاً لا يُرى…
فقد حملت هذه الحقائب وطناً كاملاً، في حقائب صغيرة… ضاق بأبنائه، ولم يضق بهم حبهم له.
لكن السودانيين لم يغادروا وطنهم لأنهم أحبوا الغربة.
فمنهم من خرج يوماً يحمل خبرته، ليشارك في بناء أوطانٍ أخرى، ثم يعود إلى وطنه محمّلاً بالتجربة والحنين.
ومنهم من غادر لاحقاً بحثاً عن فرصة حياةٍ أفضل، وهو يعلّق على باب قلبه حلم العودة.
ثم جاءت الحرب…
فصار كثيرون يرحلون، لا لأن الغربة كانت خيارهم، بل لأن البقاء نفسه أصبح معركةً يومية، وأصبح الرحيل، في نظرهم، أقل قسوةً من الانتظار.
حين كان السوداني يُستدعى… ولا يُهاجر:
كان موظف الجوازات في مطار الخرطوم يبتسم وهو يختم جواز السفر.
وكانت الأم تمسح دمعتها بطرف ثوبها، ثم تقول وهي تحاول أن تبدو مطمئنة:
“لا تطوّل الغيبة يا ولدي”
وكان الابن يبتسم بثقة، ويجيبها بالجملة التي حفظها السودانيون جيلاً بعد جيل:
“سأعود قريباً… إنها سنوات قليلة فقط.”
لم يكن أحد يومها يشعر أنه يغادر وطنه.
كان الجميع يعتقد أن الرحيل محطة، وأن العودة هي الموعد الحقيقي.
كانت الطائرة تقلع…
ويبقى السودان في القلب، كما بقي دائماً.
لم يكن السوداني في سبعينيات القرن الماضي يطرق أبواب العالم باحثاً عن فرصة عمل.
بل كانت الفرص هي التي تبحث عنه.
وكان الطبيب السوداني اسماً يبعث على الثقة أينما حل.
وكان المعلم السوداني عنواناً للعلم والانضباط.
وكان المهندس، والقاضي، والضابط الإداري، والصحفي، والمحاسب، والأستاذ الجامعي، يحملون معهم سمعةً صنعتها سنوات طويلة من التعليم الرصين، والخبرة، والاستقامة المهنية والأمانة.
لم تكن تلك السمعة تُمنح بالمجاملة…
بل كانت تُكتسب بالعمل.
ولهذا لم يكن غريباً أن تستعين دول الخليج، وليبيا، واليمن، وغيرها من الدول العربية، بآلاف الكفاءات السودانية في مراحل تأسيس مؤسساتها الحديثة، وأن تسند إليهم مسؤوليات كبيرة في التعليم، والإدارة، والقضاء، والهندسة، والطب، والبلديات، وسائر أجهزة الدولة.
لم يكن السوداني يذهب ليبحث عن مكان بين الناس…
بل كان يذهب لأن مكانه كان ينتظره.
وكان السودان، في تلك السنوات، ينظر إلى الاغتراب نظرةً مختلفة تماماً.
لم يكن الرحيل هروباً من وطن ضاق بأبنائه.
بل كان امتداداً طبيعياً لدور ظل السوداني يؤديه أينما حل.
كان يغادر وهو يعلم أن خلفه بيتاً ينتظره.
وأرضاً يعرفها.
وأهلاً يحصون الأيام حتى يعود.
ولذلك بقيت كلمة “العودة” جزءاً من عقد السفر، حتى وإن لم تُكتب في أوراقه.
ولم يكن ذلك الشعور وليد الحنين وحده، بل كانت له أرضٌ يقف عليها.
فقد كان السودان يومها يرسل أبناءه لأن العالم كان يطلب خبرتهم، لا لأنه عجز عن احتوائهم.
وكان الاقتصاد السوداني يعكس صورةً تختلف كثيراً عما عرفته الأجيال اللاحقة.
ففي مطلع سبعينيات القرن الماضي بلغ الجنيه السوداني، وفق سعر الصرف الرسمي الثابت آنذاك، قيمةً ثلاث دولارات أمريكية، في واحدة من أقوى مراحل العملة الوطنية في أفريقيا والمنطقة عامة.
ولم تكن قوة الجنيه مجرد رقم في دفاتر المصارف، بل كانت انعكاساً لدولة تمتلك اقتصاداً مستقراً، وجهازاً إدارياً وتعليمياً جعل أبناءها مطلوبين في أنحاء المنطقة، قبل أن يصبحوا، بعد عقود، يبحثون هم أنفسهم عن فرصة عمل أو ملاذ آمن.
ولهذا كان السوداني يحمل جواز سفره وهو يعرف قيمة نفسه…
وقيمة ما تعلمه…
وقيمة الوطن الذي جاء منه.
وحين بدأت النهضة العمرانية والإدارية في عدد من دول الخليج، لم تكن أسماء السودانيين مجرد أسماء في كشوفات الموظفين، بل أصبحت جزءاً من قصة البناء نفسها.
ولم يكن حضورهم حضور عمالة تبحث عن رزق، بل حضور خبرات استُدعيت للمشاركة في تأسيس مؤسسات الدولة الحديثة.
في الإمارات، أسهمت كفاءات سودانية منذ البدايات، في التخطيط والإدارة والعمل البلدي؛ فكان المهندس كمال حمزة من أبرز من قادوا العمل التنفيذي في بلدية دبي لعقود طويلة، وكان المهندس السني بانقا من أوائل من تولوا إدارة بلدية أبو ظبي، ثم جاء الأستاذ أحمد عوض الكريم ليواصل الإسهام في تطوير جهازها الإداري ومرافقها.
وتبقى العبارة المنسوبة إلى الشيخ زايد: ” أبغي دبي تصير مثل الخرطوم”، بما تحمله من دلالة رمزية، جزءاً من الذاكرة المتداولة التي تعبّر – مهما اختلفت الروايات حول ألفاظها الدقيقة – عن المكانة التي كانت تحظى بها الخبرة السودانية في تلك المرحلة، وعن الإعجاب الذي تركته الخرطوم، يوم كانت إحدى أكثر مدن المنطقة تنظيماً وتخطيطاً.
ولم تكن هذه النماذج سوى جزء من جيل كامل من السودانيين الذين شاركوا في بناء المدارس، والجامعات، والمستشفيات، والمحاكم، والوزارات، والبلديات، وشركات الهندسة، ووسائل الإعلام، في السعودية، والإمارات، وقطر، والكويت، والبحرين، وسلطنة عُمان، واليمن، وليبيا، وغيرها.