السودان

مجلس الأقاليم في حكومة تأسيس .. هل يكسر قيود المركزية القابضة؟

نيالا: راينو

في خطوة مفاجئة ضمن محاولات استعادة مؤسسات الجولة السودانية المشتعلة بفعل الحرب بين الدعم السريع والجيش، أصدر المجلس الرئاسي لحكومة السلام في نيالا القرار رقم (5) لسنة 2026م، القاضي بتشكيل وتعيين “مجلس الأقاليم”، كأحد أبرز أساسيات بناء الهيئة التشريعية القومية، وأول جسم تشريعي حقيقي يشهده السودان منذ ما يقارب السبعة أعوام، مما ينهي حالة الفراغ التشريعي التي صاحبت سنوات الصراع والاضطراب، مثيرا موجة من الجدل نافس اجتماعات برلين في احتلال المنصات.. “راينو” سعت لتقييم الخطوة ومآلاتها.

مناخ وتوقيت الخطوة

الخطوة التي جاءت ممهورة بتوقيع رئيس المجلس الرئاسي محمد حمدان دقلو، اعتبرها كثيرون تأتي في سياق مسار سياسي معقد ومتشعب في بلد ظل يدار بقرارات تنفيذية بدون وجود لأي سلطة تشريعية رقابية لما يقارب السبعة أعوام، الأمر الذي أضعف مبدأ الفصل بين السلطات وأربك عملية صناعة القرار.

ويرى القانوني ناصر ضو البيت علي في حديثه لـ”راينو” أن التوقيت والمناخ المحيط والسياق حول الخطوة له ما بعده ويعزز أهميتها، وأضاف: “يجب النظر إلى هذا التشكيل باعتباره خطوة عملية لإعادة التوازن إلى بناء الدولة السودانية، ورد اعتبار لفكرة المؤسسات بعد سنوات من سيطرة الظروف الأمنية والعسكرية”.

ما هو مجلس الأقاليم؟

المستشار الاستراتيجي للشؤون الإنسانية والتنموية المقرب من دوائر حكومة تأسيس إسماعيل هجانة أوضح على صفحته، أن مجلس الأقاليم يمثل إحدى الركيزتين الأساسيتين للهيئة التشريعية التأسيسية في السودان، وذلك جنباً إلى جنب مع مجلس النواب، حيث يضم في تركيبته 24 عضواً تم اختيارهم ليعكسوا التنوع الإقليمي الواسع وليكونوا صوتاً معبراً عن قضايا أقاليمهم داخل أروقة مؤسسات الدولة. مشيراً إلى أن هذا المجلس لا يعد مجرد إطار تمثيلي صوري، بل هو أداة حقيقية تهدف إلى إعادة التوازن المفقود في معادلة الحكم، وربط الأطراف البعيدة بمركز صناعة القرار، لافتاً في الوقت ذاته إلى أن الهيئة التشريعية تعمل من خلال صيغة تكاملية تجمع المجلسين في جلسات مشتركة لمناقشة القضايا القومية الكبرى، مع احتفاظ كل مجلس بصلاحياته الدستورية المستقلة، وهو ما يمنح الأقاليم حضوراً مؤثراً يضمن عدم صياغة السياسات بمعزل عن واقع المجتمعات المحلية.

واستعرض هجانة الدور المحوري للمجلس في سياق صلاحياته ومسؤولياته المنصوص عليها كابتدار التشريعات المرتبطة بنظام الحكم اللامركزي ومراجعة القوانين التي قد تمس مصالح الأقاليم، بالإضافة إلى اضطلاعه بمهام رقابية تشمل متابعة التزام المؤسسات بالمواثيق الدستورية، ومراقبة سير برامج إعادة الإعمار والتنمية في المناطق المتأثرة بالحرب.

وأكد هجانة أن تأثير المجلس يمتد ليشمل الملفات السيادية، إذ يشارك في المصادقة على المعاهدات الدولية وتعيين كبار المسؤولين، فضلاً عن متابعة القضايا الإنسانية الملحة كعودة النازحين ومعالجة النزاعات، وأضاف: “هذا يجعل المجلس جسراً متيناً بين الدولة والمجتمع وضامناً لتوازن السلطة”.

وشدد هجانة على أن مجلس الأقاليم يحمل مسؤولية تاريخية في تحويل النصوص الدستورية إلى ممارسة عملية تسهم في بناء دولة تعترف بتنوعها وتدير اختلافاتها عبر مؤسسات عادلة، معتبراً نجاح المجلس مرتبطاً بمدى قدرته على تمثيل صوت الناس بصدق، وتعزيز ثقافة السلام والمصالحة الوطنية الشاملة.

تحديات ومهددات

كثيرون اعتبروا أن قرار التشكيل يمثل “شهادة ميلاد” لدولة مدنية ديمقراطية، كونه ينقل السلطة من غرف القرارات الضيقة إلى مؤسسة تشريعية تمثل الأقاليم وتعطي المناطق المتأثرة بالصراعات صوتاً مسموعاً في قلب الهيكل التشريعي القومي، مما يعزز من فرص السلام المستدام.

بيد أن بعض الأصوات أبدت تخوفها من أن يتحول المجلس إلى مجرد واجهة شكلية، فضلاً عن وجود تحديات وصفوها بالكبيرة ربما تعرقل الطموح في تأسيس دولة مؤسسات مفصولة السلطات، ويرون أن أبرز التحديات تتمثل في مدى التزام السلطة التنفيذية نفسها بما سيقرره المجلس، وقدرة المجلس نفسه على فرض رقابته في ظل واقع أمني معقد.

ويذهب المحلل السياسي عمر سفيان سالم في حديثه لـ”راينو” إلى أن أخطر المعوقات بعد الإرادة والوعي بأهمية ودور المجلس، تبرز في الموارد المالية والإدارية التي ستُتاح للمجلس ليقوم بأعبائه، ومدى قدرته على بناء جهاز فني وتشريعي قادر على مواكبة حجم المهام الملقاة على عاتقه، خاصة في ظل اقتصاد يعاني من ضغوط الحرب والتدهور المستمر.

وأضاف: “بموجب المادتين (56) و(57) من الدستور الانتقالي سيكون مجلس الأقاليم مسؤولاً عن حماية نظام الحكم اللامركزي (الفيدرالي)، ويمارس الرقابة على أداء حكام الأقاليم والوزارات الاتحادية في علاقتها بالأقاليم، فضلاً عن صياغة التشريعات التي تحفظ الحقوق الثقافية والاجتماعية لكل إقليم، بالإضافة إلى العمل كحائط صد قانوني ضد أي قرارات مركزية قد تضر بالتوازن التنموي”. وتابع: “رغم وضوح هذه المهام والمسؤوليات لكنها ستصطدم عملياً بضعف البنية المؤسسية في الأقاليم، واستمرار النزاعات المسلحة، وغياب البيانات الدقيقة التي تُبنى عليها السياسات العامة واتخاذ القرار”.

وبعكس المخاوف والتحديات التي حملها البعض، كان التفاؤل ينضح من عبارات القانوني ناصر ضو البيت علي، الذي يرى أن جوهر الأمر يتمثل في اتخاذ خطوة في الاتجاه الصحيح وتدريجياً ستمضي الأمور. وأضاف: “قمة النور في هذه الخطوة هو ما ورد في المادة الثالثة من القرار بأن ممارسة المجلس لاختصاصاته تكون بـ”استقلالية تامة”، ومنع أي تدخل أو تأثير من قبل المجلس الرئاسي أو مجلس الوزراء”.

وشدد ضو البيت على أن المادة (3) بالتحديد تضع حداً لعهد المركزية القابضة وسيطرة المركز على الهامش، وتمنح الأقاليم سلطة دستورية لمراقبة التشريعات والسياسات التي تمس مصالح مواطنيها في الولايات، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الثروة والسلطة وحماية الأعيان المدنية في ظل ظروف الحرب والنزاع.

في المقابل يرى خبراء قانونيون أن اختبار هذه الاستقلالية لن يكون في النصوص، بل في الممارسة الفعلية، حيث ستتحدد قدرة المجلس على فرض سلطته من خلال أولى مواجهاته مع السلطة التنفيذية، خاصة في الملفات الحساسة المرتبطة بالموارد الطبيعية وإعادة الإعمار.

من هو الرئيس ونائبه؟

القرار الذي أشعل الأسافير تضمن تسمية 24 عضواً بالمجلس، حيث تم تعيين أرنو نقوتلو لودي أبير رئيساً للمجلس، والأستاذ مكين حامد تيراب نائباً له، إلى جانب 22 عضواً يمثلون تنوعاً جغرافياً وإثنياً يعكس الخارطة الاجتماعية للسودان، مما يضمن “تمثيلاً متوازناً” في صناعة القرار الوطني بحسب الكثيرين.

ويرى متابعون أن التشكيلة المعلنة تحمل رسائل سياسية مهمة، أبرزها محاولة خلق توازن بين الأقاليم التي شهدت نزاعات مسلحة وتلك التي ظلت بعيدة نسبياً عن بؤر التوتر، إلى جانب إدماج شخصيات ذات خلفيات سياسية ومدنية مختلفة، بما يعزز فرص التوافق داخل المجلس ويحد من احتمالات الاستقطاب الحاد.

وبحسب متابعات “راينو” تقول السيرة الذاتية لرئيس المجلس أرنو نقوتلو لودي، إنه ينحدر من منطقة جبال النوبة بولاية جنوب كردفان، ويحمل خلفية أكاديمية بحصوله على درجة البكالوريوس في الهندسة الميكانيكية من جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا. وتقول السيرة أنه برز خلال سنوات دراسته ككادر خطابي ونقابي جسور في الروابط الطلابية، لينخرط في صفوف الحركة الشعبية لتحرير السودان منذ وقت مبكر، وتدرج في كادرها القيادي حتى أصبح لسنوات طويلة الناطق الرسمي باسم الحركة الشعبية (شمال)، والصوت الإعلامي الأبرز لقضايا جبال النوبة والنيل الأزرق أمام المحافل الدولية والوكالات العالمية.

وبحسب المتداول عنه ورصده”راينو” فإن الرجل إلى جانب خبرته الهندسية والفنية، امتلك تجربة ميدانية وتفاوضية واسعة تجلت في مشاركاته بجولات التفاوض في أديس أبابا وجوبا، بالإضافة إلى خبرته في إدارة الأزمات والعمل الإنساني وتنسيق الجهود في المناطق المتأثرة بالحرب، وصولاً إلى اختياره رئيساً لمجلس الأقاليم ليكون حلقة الوصل المركزية في هيكلة مؤسسات الحكم المدني بمناطق سيطرة الدعم السريع.

بينما تقول السيرة الذاتية لنائب رئيس المجلس مكين حامد تيراب إنه من مواليد مدينة الأبيض عام 1965، تخصص في إدارة الأعمال من جامعة القاهرة بالخرطوم. يمتلك مسيرة مهنية وإدارية واسعة شملت مواقع قيادية في عدة مجالات المال والاتصالات والإعلام .

على المستوى السياسي برز تيراب كقيادي في حزب الأمة القومي وأحد الفاعلين في العمل الوطني المعارض بالداخل والخارج، مما عرضه للاعتقال والملاحقة. في مرحلة ما خلال تجربته تولى رسمياً منصب الأمين العام لجهاز تنظيم شؤون السودانيين بالخارج بدرجة وزير عقب ثورة أبريل 2019، حيث أدار ملفات معقدة تتعلق بالمهاجرين والأزمات الوطنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار