أثار الترحيب السعودي السريع بقرار واشنطن تصنيف إخوان السودان ( الكيزان) تنظيماً إرهابياً تساؤلات جوهرية حول مستقبل علاقة الرياض بقيادة الجيش السوداني.
المملكة تجد نفسها أمام استحقاق سياسي معقد؛ فكيف توائم بين عدائها المعلن للجماعة، واستمرار دعمها لمؤسسة عسكرية يضم نسيجها ضباطاً نافذين مرتبطين تنظيمياً وفكرياً بالإسلاميين؟
القرار الأمريكي، الذي وقعه وزير الخارجية ماركو روبيو بتوجيه من الرئيس دونالد ترامب، يتجاوز كونه إدانة سياسية ليمتد إلى تجفيف شبكات الدعم المالي واللوجستي.
هذا التحول يضع الرياض أمام خيار ضروري يتمثل في إعادة تقييم موقفها، وربما يتم عبر ممارسة ضغوط جادة لتقليص نفوذ “الكيزان” داخل الجيش، وضمان فك الارتباط التنظيمي لتجنب تبعات العقوبات الدولية.
في المقابل، يثير الصمت المصري المطبق حيال القرار ريبة واسعة. فبينما قادت القاهرة حملة استئصال محلية شاملة ضد “إخوان مصر” منذ عام 2013، تتبنى في التعامل مع “إخوان السودان” ازدواجية مريبة؛ إذ تتغاضى عن نفوذ الجماعة داخل الجيش السوداني مقابل حماية مصالحها الضيقة (الواسعة بالقيمة الدفترية)، ضاربة عرض الحائط بشعاراتها المعلنة حول “مكافحة الإرهاب”!
هذا الصمت المصري ليس مجرد حذر دبلوماسي، بل هو انعكاس لتخوف القاهرة من صعود حكومة مدنية ديمقراطية في الخرطوم، لا شك أنها ستضع السيادة السودانية فوق الإملاءات المصرية، وتضع المصلحة الوطنية فوق المصلحة المصرية.
القاهرة تفضل بوضوح سوداناً مهزوزاً هزيلاً تحت سلطة عسكرية ضعيفة يسهل توجيهها وابتزازها، كسودان البرهان والكيزان الحالي، حتى لو كان ثمن ذلك بقاء الإخوان الذين تدّعي محاربتهم في كل زمان ومكان!!
التصنيف الأمريكي وضع حلفاء الجيش السوداني الخارجيين أمام اختبار مصيري. فبينما تبدو الرياض مرشحة لتعديل بوصلتها بما يتفق مع سياساتها (المعلنة) المناهضة للإسلام السياسي، تظل القاهرة متمسكة بمقاربة انتهازية تحمي نفوذها ومصالحها بأسلوب لا يتوقع معه أحد خطوتها القادمة؛ وربما يصل الأمر إلى إدخال البرهان في مقامرة انتحارية لا يحمد عقباها.
والبرهان التعيس يجد نفسه بين فكي كماشة: إما تفكيك النفوذ الكيزاني عسكرياً وسياسياً، لتفادي العزلة الدولية – وهو أمر غير متوقع قريباً – أو إدخال السودان في مقامرة أخرى بإشعال حرب بالوكالة مع إثيوبيا، ظناً منه أنها ستبقيه و “إخوانه” في السلطة، تماماً مثل مقامرته السابقة بانقلابه على الحكومة المدنية، والتي عصفت بالبلاد على النحو الذي هي عليه الآن، وجعلته هو نفسه كالمنبت: لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى.