السودان

سلافة أبو ضفيرة تكتب: “دولة ٥٦ ” مشهد كامل تجسده سحابة كيميائية صفراء

بقلم: سلافة أبو ضفيرة

نكابد هذه الأيام مشقة الكتابة، لكننا نرى مشهداً كاملاً تتقدمه سحابة صفراء وسط مساكن للمدنيين، نرى الأجساد المحترقة بفعل السلاح الكيماوي فنبكي ونموت في آن واحد، وتضربنا محبة هذا البلد الذي دنسه إجرام الحركة الإسلامية الإرهابية وهي (تخرب الموت بالرفسي)، في الوقت الذي تنشر فيه صحيفة “نيويورك تايمز” تقريراً يتضمن وثائقاً وصوراً وفيديوهات ورسائل تعزز الاتهامات بأن الجيش السوداني طور ذخائر كيميائية بمادة الكلور المخصصة لتنقية مياه الشرب، واستخدمها ضد المدنيين و ضد قوات الدعم السريع في حرب الجيش الوجودية هذه.

عندما تقرأ رواية من روايات “أليكساندر دوما” الذي برع في أدب الرحلات لابد أن تتذكر جملته الشهيرة، فقد قال في مذكرات رحلاته في روسيا القيصرية “إن لا شيء يتم القيام به في روسيا مثلما يتم في الأماكن الأخرى، ولكن، عندما تفهم روسيا جيداً، فإنك تصل في النهاية إلى مبتغاك. الطريق فقط يكون أطول قليلاً ومليئاً بالعقبات، هذا كل ما في الأمر”، وأنا هنا أتحسر أن أقارن هذا الأدب الرفيع بمكان مثل سودان الكيزان الإرهابيين، وفعلاً لا شيء يتم القيام به في السودان مثلما يتم القيام به في الأماكن الأخرى، فالموت ذبحاً وغرقاً في النيل ورمياً بالرصاص وخنقاً بالسلاح الكيماوي، تفوّق على كل ظنون الساسة في العصر الحديث، فالشيطانُ نقيٌ خَالِص، لأنه لا يستطيع إلا صُنعَ الشر ، أي شر لا يداخلُهُ خير، وهذا ما أخلصت في فعله الحركة الإسلامية الإرهابية ومن عاونها من السودانيين، بيد أن الإرهابيين قابلوا هذه الاتهامات الخطيرة حول استخدام الجيش للسلاح الكيماوي بدفاع النساء المُتَشِحات بدماء الضحايا، حاسرات الرؤوس، اللاتي يرقصن على زوال دولتهن دون النظر إلى عواقب هذا التبرير للجريمة الموثقة بالصورة والصوت والجلود المدبوغة بغاز الكلور.

غاز الكلور، هذا الغاز الذي أخرج حقيقة دولة ٥٦ للعلن، هذه الدولة التي تريد من حربها هذه التخلص من أجناس بعينها لأنها تُذكرها بأصلها الحقيقي منزوع العروبة، فهم يريدون أن يتناسوا الخط الواصل بين أفريقيا والسودان صاحب الاسم الممعن في السواد، رغماً عن توهمات الإسلاميين الإرهابيين والمُرشد الأعلى لهم “الحزب الشيوعي السوداني”، والذي استمات في الدفاع عن دولة ٥٦ المليئة بالكذب والحقد والتناقضات، فهم من قبروا ثورة الجيل الراكب راس دون أن يرمش لهم جفن ودون أن يعوا عاقبة الأمور بعد تخريب الفترة الانتقالية.

بعد اتهام الجيش السوداني باستخدام السلاح الكيماوي المحرم دولياً، يجب أن تتعلم أبواقه الإعلامية الصمت‏، فقد انتفى كل ما يريدون قوله، ونسوا أن الإنسان مهما حاول إخفاء جريمته فإن تفلتات لسانه تفضحه، فتصريحات كاستخدام أكبر قدر من القوة المميتة التي يسمح بها قائد الجيش وغيرها من تغريدات البلابسة لم تكن سوى دليل دامغ آخر يسجل من بين الأدلة، بأنه حدث ما حدث ولن يجدي الإنكار.

ونحن مخنوقون بفعل السلاح الكيماوي وتطبيق بنكك، هذا السلاح الاقتصادي القاتل، أتذكر قول الشاعر (يا سارقًا دِفءَ الفؤادِ أَعِدْهُ لي، صدري تجمَّدَ والشِّتا لا يرحَمُ)، فالأموال لن تعود كما لن يعود الرفاق، ففي سودان الحركة الإسلامية الإرهابية بتنا نقتات على صدى الذكريات، وأنا دائمة التذكر للذين قضوا بفعل هذه الحرب الإرهابية، أتساءل، أين دفء الليالي التي كانت تجمعنا في أركان النقاش وساحات المعرفة، والتي كانت تنسينا شظف العيش وقلة رزق المعرفة والعمل الصحفي.. بيد أن الكيزان دمروا كل ركن، وتركونا في العراء نحتضن أجسادنا بلا روح وبلا ممتلكات، لقد خنقونا برغبتهم السامة في السلطة، فهل ثمة شخص بعد هذا الدمار وهذه الوحشية في استخدام الجيش للسلاح الكيماوي يريد أن يقف في المنطقة الرمادية، و التي تقول أنا لن أدعم أطراف الصراع!!! هل هناك أطراف للصراع.. أم أن هناك طرف واحد تعلمونه جيداً.

بعد تصنيع ما يسمي بالجيش السوداني لقنابل الكلور المحظور دولياً واستخدامها ضد المدنيين، تحتاج القوى السياسية السودانية اليوم أن تقف بشجاعة وتسقط آخر تماثيل الدولة المركزية (جيش الحركة الإسلامية الإرهابية)، وتنتقل إلى مرحلة جديدة من مراحل العقلانية السياسية، فهذا البلد المترامي الأطراف والمتعدد الشعوب لا يمكن إدارته بالطريقة التي ندير بها العلاقات الإنسانية، بالتلاعب والفهلوة والإمعان في الشعور النرجسي، فقد آن الأوان لأن تتوقف الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني السوداني عن تبجيل ودعم هذا الجيش، الذي تحولت ثكناته لوكر يحتضن الإرهابيين وتنتشر تحت إشرافه مصانع السلاح الكيماوي، فنحن نخشى من يومٕ تشخص فيه الأبصار، فالمحاكمات التاريخية لن يتردد أشهادها أن يقولوا إن القوى السياسية السودانية تطبق ما يمليه عليها جيش دولة ٥٦ وتغض الطرف عن حجم الكارثة وآلام الضحايا لتدعم طرفاً مجرماً لن ينفع الوقوف معه مهما بلغت صلات الأرحام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار