ينهض نظام الخرطوم، في واحدة من أكثر لحظاته عزلةً وضعفاً، بجهود محمومة ومضنية لانتزاع اعترافٍ إقليمي يفتقده جوهرياً. يقود هذه المحاولة تحالفٌ غير معلن تتقدمه جمهورية مصر العربية، المستفيد الأكبر من استدامة الحالة السودانية المزرية واستمرار حكم العسكر، ذلك الحكم الذي تقف خلفه، في مفارقة سياسية صارخة، فصائل الإسلام السياسي بمسمياتها المعاصرة، رغم العداء المعلن بينها وبين القاهرة. وحين تكون المصالح على المحك، يتجاهل الطرفان هذا العداء.
بالنسبة لمصر، لا يُقرأ السودان بوصفه دولةً ذات سيادة مكتملة، فهو عندها يُعد امتداداً حيوياً لمعادلة الأمن القومي المصري: – حصة مياه نيل غير مستقلة القرار، – أراضٍ زراعية مفتوحة للاستثمار غير المتكافئ، – معادن وماشية وخيرات سودانية تُصدَّر بوصفها منتجاً مصرياً، – لجوء سوداني واسع جرى توظيفه اقتصادياً واجتماعياً، – ونظام عسكري هش يمكن التأثير في قراراته دون كلفة سياسية تُذكر.
ضمن هذا السياق، تأتي المحاولة الراهنة لرفع تعليق عضوية السودان في الاتحاد الإفريقي، مستغلةً هذه المرة رئاسة مصر لمجلس السلم والأمن، مع مساندة جزائرية نشطة، وتنشيط أدوار موازية لكل من المملكة العربية السعودية وتركيا، في مسعى واضح للضغط على إثيوبيا وبعض الدول الإفريقية المؤثرة لتليين مواقفها. وليس من قبيل المصادفة أن تشهد أديس أبابا، مقر الاتحاد الإفريقي، هذه الأيام حراكاً دبلوماسياً واستخباراتياً مكثفاً يتمحور حول هذا الملف تحديداً.
السؤال الجوهري الذي تتجاهله هذه التحركات يتمثل في ما إذا كانت البنية المؤسسية والسياسية للاتحاد الإفريقي تسمح بتمرير مثل هذا القرار. فالمنظمة، خلافاً للصورة النمطية، ليست كتلةً صماء يمكن كسرها عبر الضغوط الثنائية. مجلس السلم والأمن، بوصفه الآلية الحاكمة لهذا الملف، يعكس توازنات دقيقة بين أقاليم القارة، لكلٍ منها حساسياتها التاريخية والسياسية.
أولاً: دول الجنوب والوسط الإفريقي، وهي كتلة تشمل دولاً ذات تجارب مريرة مع الانقلابات والحروب الأهلية، تنظر إلى السودان بوصفه نموذجاً سلبياً يجب عدم مكافأته. رفع التعليق في ظل غياب سلطة مدنية واستمرار حرب مفتوحة يعني نسف المبدأ التأسيسي للاتحاد الإفريقي القائم على رفض التغييرات غير الدستورية للحكم. هذه الدول ليست معنية بطمأنة نظام الخرطوم، وإنما بتفادي سابقة قد تُستخدم ضدها لاحقاً.
ثانياً: غرب إفريقيا، رغم تنوع مواقفها، تميل إلى مقاربة براغماتية: لا عودة دون أفق سياسي، ولا أفق سياسي دون وقف الحرب، ولا وقف للحرب في ظل خطاب تعبوي رسمي يعلن صراحة أن المعركة مستمرة حتى تحرير كامل التراب السوداني. وبكلمات أخرى، لا ترى هذه الدول أي تناقض بين تعليق العضوية واستمرار التواصل الإنساني والسياسي مع القوى المدنية.
ثالثاً: شرق إفريقيا. إثيوبيا، التي تُستهدف حالياً بضغوط مباشرة وغير مباشرة، ليست في موقع يسمح لها بتبنّي موقف داعم لحكومة عسكرية مجاورة، وهي نفسها تُدار بتوازنات داخلية معقدة، وتواجه حساسيات حدودية وتاريخية مع الخرطوم. تدرك أديس أبابا أن أي انحياز غير محسوب قد ينعكس سلباً على دورها داخل الاتحاد الإفريقي، الذي تستضيف مؤسساته وتحرص على صورته كمنظمة معيارية لا انتقائية.
في مواجهة هذا الحراك الرسمي، يبرز دور تحالف “صمود” بقيادة الدكتور عبد الله حمدوك، ليس بوصفه مجرد فاعل سياسي سوداني، إنما بوصفه فاعلاً معيارياً يخاطب الاتحاد الإفريقي بلغته الخاصة. حجة صمود بسيطة لكنها شديدة الفعالية: الأسباب التي أدت إلى تعليق عضوية السودان ما تزال قائمة فحسب، ولكنها تزداد تفاقم. لا حكومة مدنية، لا عملية سياسية ذات مصداقية، لا وقف للحرب، ولا حتى مؤشرات على استعداد سلطة الأمر الواقع للتراجع عن خطابها التعبوي.
هذا الخطاب، حين يُقدَّم في أروقة الاتحاد الإفريقي، يُفهم تحديداً كدفاع عن قواعد المنظمة نفسها، وهو ما يفسر القلق الواضح لدى داعمي نظام الخرطوم من تمدد تأثير هذا الطرح داخل مجلس السلم والأمن.
وفق قراءة واقعية لموازين القوى، فإن السيناريوهات الممكنة تترتب على النحو الآتي: – احتمال رفع كامل وغير مشروط لتعليق العضوية يُعد ضعيفاً جداً، يكاد يلامس الاستحالة في الظرف الراهن. – تخفيف إجرائي أو مشاركة محدودة دون استعادة كاملة احتمال قائم، لكنه مشروط بخطوات لم تظهر أي بوادر لها حتى الآن. – الإبقاء على التعليق مع بيان سياسي مخفف اللهجة هو السيناريو الأرجح، إذ يسمح للاتحاد الإفريقي بالحفاظ على تماسكه المعياري دون الدخول في مواجهة مباشرة مع دول الضغط.
ما ننتظره اليوم ليس معركة حول عضوية السودان فحسب، إنما يتعدى ذلك ليصبح اختبار لقدرة الاتحاد الإفريقي على حماية نفسه من التسييس الفج. وفي هذا الاختبار، يبدو أن نظام الخرطوم، رغم كل الحراك والدعم الإقليمي، يفتقد العنصر الحاسم: الشرعية السياسية على الأرض. فمن دون وقف الحرب، ومن دون مسار مدني حقيقي، ستظل كل محاولات اختراق الجدار الإفريقي مجرد ضجيج دبلوماسي مؤقت ينتهي دائماً عند الحقيقة الصلبة نفسها: فالعضوية لا تُمنح لمن يخوض حرباً ضد شعبه، مهما اشتد الضغط وتعدد الوسطاء.