بين ليلة وضحاها استحال واقع اللاجئين السودانيين في مصر إلى جحيم، أعاد للأذهان رحلات الهروب والمطاردات سواء التي عاشوها غبان النظام البائد في الخرطوم أو تلك التي هربوا خلالها من رصاص وقصف الموت في حرب 15 ابريل.
اللاجئون السودانيون في مصر حاليا يعيشون ذعرا وقلقا غير مسبوق، جراء تزايد حملات ما يعرف التوقيف والاحتجاز الموصوفة بـ”الكشات”، وتستهدف ايجاد مبرر لعمليات ترحيل قسري للسودانيين.
العادة والظن الحسن:
وجرت العادة في مصر على أن يشهد الثلث الخير من يناير كل عام وحتى نهاياته حملات لضبط الوجود الأجنبي، تتزامن مع ما يعرف بأسبوع الشرطة، وهو ما جعل الكثير من السودانيين بحسب البعض يفترضون ان المر عادي للوهلة الأولى، قبل ان يتأكد لهم التركيز الممنهج على السودانيين.
وتركزت الحملات المكثفة على مناطق التواجد السوداني الأكبر، لتحتل ضاحية فيصل بالجيزة المرتبة الأولى تليها العديد من المناطق كالمعادي وحدائق الأهرام، ارض اللواء وغيرها مع الانتشار الواسع للسودانيين في محافظات القاهرة الكبرى والأسكندرية.
ويرى لاجيء سوداني (ب.ب) في حديثه لـ”راينو” أن الحملات في البداية كنا نظنه مثل كل عام، وينتهي بنهاية الشهر، وقال: لاحظنا أن التوقيف العشوائي للسودانيين في الشوارع، ومحطات المترو، والكافيهات، والباعة ممن غلبهم الوضع الاقتصادي فامتهنوا الأعمال الهامشية.
وتابع: بالإضافة إلى نقاط التفتيش أو ما يسمى بالكمين حيث يتم فحص هويات الركاب داخل الحافلات العامة والخاصة، والقبض فوراً على من لا يحمل إقامة سارية المفعول، حتى وإن كان يحمل “الكرت الأصفر” الخاص بالمفوضية.
لماذا الآن؟
بحسب الكثير من السودانيين، استطلعتهم “راينو” فإن السبب الرئيسي يعود لحملات في السوشيال ميديا انطلقت منذ فترة وتزايدت وتيرتها مع الحملات، وتربط الوضع الاقتصادي السيء لغالبية المصريين بسبب الحضور الطاغي للسودانيين.
فيما يرى السياسي ياسر عرمان في مقال، طالعه”راينو” أن ثمة تعبئة للاسلاميين في السودان وحزبهم المؤتمر الوطني بهدف الاستمرار في الحرب، وان تلك التعبئة التي تبناها قائد الجيش البرهان قد فشلت.
لذا تم الطلب من القاهرة القيام بتلك الحملات لاعادة السودانيين الى السودان، وهو ما يتم تفسيره لدى الكثيرين بالعمل على ستقطاب الشباب بعد إعادتهم وتجنيدهم لصالح خوض الحرب..
حديث عرمان لا يبدو منبتاً من الحقيقة ورغم أنه نسب معلوماته لمصادر في الخرطوم، إلا الناشطة والإعلامية المعروفة أماني الطويل، كشفت في وقت سابق لعرمان ذات الطلب الحكومي السوداني من القاهرة.. وهو ايضا ما عززته “هيئة محامي دارفور” بان ثمة وجود تنسيق مع السلطات السودانية ومطالب بتضييق رسمي على اللاجئين لدفعهم للعودة والمشاركة في “التعبئة العامة”.
فيما ذهب المحلل السياسي إيهاب محمد الحسن في حديثه لـ”راينو” إلى أن القاهرة ليست تحت إمرة وإرادة الخرطوم، بل ما تتخدذه القاهرة دوما وفق مصالحها، واضاف: حالياً الوضع الاقتصادي ضاغط على مصر لذا تريد تنفيس الراي العام من خلال تصدير إحساس لمواطنيها أن السبب هو وجود اللاجئين وإنها اي الحكومة تعمل على ترحيلهم، هذا من جهة.
وتابع: من جهة أخرى توظيف اللاجئين ككرت ضغط على المفوضية والمنظمات المرتبطة باللاجئين للحصول على دعم وتمويل.
ولم يستبعد الحسن أن يكون السبب الرئيسي للحملات، اقتناع القاهرة بعدم الحصول على دعم وتمويل أممي بعد تصريحات ترامب وتهديده بعدم تمويل الامم المتحدة خصوصا وان واشنطون تساهم ما يقارب 33% من ميزانية الأمم المتحدة.
مصدر رفيع بإعلام تحالف “صمود” كشف لـ”راينو” عن ان السبب الرئيسي في تصاعد وتيرة الحملات لاعادة السودانيين في هذا التوقيت، يكشفه حديث البرهان الأخير حول الحسم العسكري وعدم السماح لعودة القوى السياسية للبلاد طالما هو حي. مشيرا إلى أن ذلك سببه ببساطة رفض البرهان لكل الضمانات المقدمة له، وآخرها من الرياض كرد فعل على زيارات وفد صمود لأوروبا والتقاءهم بالجنائية الدولية وبروز ملف الاسلحة الكيميائية مجددا. وقال: لذا يشعر البرهان بالحصار ، مما يجعله أمام خيار مواصلة الحرب، لذا سعى لطلب إعادة السودانيين ليس من مصر وحدها ولكن من دول عديدة بما في ذلك قطرأ
الموقف ورد الفعل:
قانونيا ثمة حالة تملل وإدانة، خصوصا وان المفوضية نفسها لا توفر الكثير للاجئين سوى الحماية. وبحسب موظف بمكتب الحماية في المفوضية -فضل إخفاء إسمه- في حديثه لـ”راينو” أن المفوضية لا تملك اي صلاحيات تجعلها فوق لقانون الدولة المضيفة ن وان صلاحياتها تقتصر في توفير الحماية في مواجهة الترحيل غلى البلد الذي جاء منه اللاجيء.
وطبقا لمتابعات “راينو” فإن فرضية الحماية التي تحدث عنها عضو المفوضية غير متحققة إزاء الكثير من الحالات التي رصدتها”راينو”، ويتداولها اللاجئون السودانيون.
وفي السياق كشفت تقارير حقوقية مصرية سواء “منصة اللاجئين في مصر” أو”المبادرة المصرية للحقوق الشخصية” عن نمط ممنهج لعمليات الترحيل يتجاوز الحماية الأممية؛ حيث رصدت حالات ترحيل لأفراد مسجلين رسمياً كلاجئين، مما يعد انتهاكاً لمبدأ “عدم الإعادة القسرية” المنصوص عليه في اتفاقية عام 1951م، كما تظهر عمليات “الترحيل المقنّع” تحت مسمى “العودة الطوعية”، في حين تؤكد شهادات الموقوفين ممارسة ضغوط عليهم وتخييرهم بين الاحتجاز لفترات طويلة في ظروف سيئة أو التوقيع على وثائق مغادرة.
وتشير البيانات إلى ترحيل أكثر من (42,000) شخص عبر رحلات القطارات والحافلات حتى نهاية عام 2025، مع استمرار الموجة في يناير وفبراير 2026.
ضعف المفوضية أو هوانها ارتبط بإجراءاتها نفسها التي ساهمت تازيم موقف السودانيين، وبحسب متابعات “راينو” فإن طالب الكرت يحصل على اللون الاصفر طالما يمتلك ما يثبت به هويته، ومن ثم يتم منحه خطاب لمجمع استخراج الاقامة بتاريخ لاحق لتاريخ استخراج الكرت، وبسبب التواريخ البعيدة التي تصل أحيانا إلى عام أو عامين لا يكون لدى طالب اللجوء سوى الكرت الأصفر ساري المفعول والذي يمثل تكييفاً لوضعه القانوني إلى حين استخراج الإقامة، خصوصاً إذا ظل محتفظا بخطاب المفوضية لمجمع ما يعرف بـ”العباسية” لاستخراج الاقامة بعد سداد الرسوم المقررة. حالياً في ظل تقاعس المفوضية وطول المدى الزمني للتاريخ الممنوح للاجئ للذهاب لاستخراج إقامته، يقع اللاجىء تحت طائلة القانون.
حكومة بورتسودان وسفارتها:
على عكس المعتاد وامتهان الصمت المعتاد من قبل سفارة بورتسودان في مصر، سارع موظفون في السفارة لتسجيل فيديوهات، فضلا عن مؤتمر صحفي للسفير السوداني عماد عدوي، تركز حول نفي طلب الخرطوم من لقاهرة الضغط على السودانيين وإعادتهم.
وبحسب الكثير من السودانيين غير اللاجئين والذين حصوا على تأشيرات وإقامات في مصر وانتهت، فإن سفارة بورتسودان سعت لتجميل الوجه او للتشجيع على المغادرة، بالإعلان إعفاءات من غرامات الإقامة للمغادرين حتى مارس 2026م.
وبموازاة الاجراءات المصرية يتصاعد خطاب الكراهية إسفيرياً عبر حملات تهدف لشيطنة الوجود السوداني والتحريض على التبليغ عن الشقق والمحلات غير المرخصة، وتحميل السودانيين مسؤولية ارتفاع الإيجارات.
وفي ظل هذا الضغط، يبرز غياب دور المفوضية والمنظمات الدولية في الحماية، والوقوف في حدود البيانات.