السودان

الأمم المتحدة تدخل عبر أدري .. عندما تكسر “الضرورة” قيود المركز

تقرير: راينو

سجلت التطورات الميدانية في إقليم دارفور منعطفا سياسيا وإداريا بارزا، عقب عبور فريق فني تابع للأمم المتحدة من الأراضي التشادية إلى دارفور مباشرة. وتأتي هذه الخطوة لتكسر حسب البعض جمود المسارات الإدارية التي كانت تخضع لإشراف مباشر من السلطات في بورتسودان، مما يفتح الباب أمام قراءات جديدة حول “تعدد مراكز القرار” في السـ.ـودان الذي تنتاشه الحرب.

تجاوز “البروتوكول”

تشير المعطيات الميدانية إلى أن دخول الفريق الأممي عبر معبر “أدري” الحدودي تم دون انتظار المسارات التنسيقية التقليدية مع المركز. ويرى مراقبون أن المجتمع الدولي بدأ عملياً في تجاوز السيادة ولو على المستوى الإداري التنفيذي لصالح “سيادة الضرورة”، في ظل التقارير التي تحذر من اتساع رقعة الجوع.
وتذهب التحليلات إلى أن هذا التحول يعني انتقال الوكالات والمنظمات الدولية من مرحلة “طلب الأذونات” إلى مرحلة “التنفيذ المباشر” لضمان وصول الإغاثة للمناطق الأكثر تضرراً، في ظل الالحاح المتزايد والحاجة المتكاثفة للغذاء والدواء والمأوى..

من هناك؟
على ا بلمستوى المحلي في دارفور، برز تحالف “تأسيس” كطرف ميداني في عملية تأمين وتهيئة المسارات داخل دارفور لاستقبال الفريق الدولي. هذا التنسيق الميداني يمنح الكيانات المدنية والإدارية الناشئة في الإقليم ما يوصف بـ “الشرعية الوظيفية”؛ حيث يميل المجتمع الدولي للتعامل مع الأجسام القادرة على إدارة “الأرض” وتأمين حركة القوافل، بعيداً عن التعقيدات السياسية في العاصمة الإدارية المؤقتة.

ماذا حدث؟

من جانبه يرى الخبير في الشؤون الأنسانية د. صلاح الأمين في حديثه لـ”راينو” أن المشهد الحالي يشوبه تضارب في المعلومات، وقال إن المعلومات المتوافرة حول دخول هذه المنظمات ما تزال متضاربة؛ حيث برزت عدة روايات تفسر ما حدث.
وأوضح الأمين: “هناك من يقول إن ما حدث تم بالتنسيق المباشر مع السلطات في بورتسودان، وهناك رواية أخرى تشير إلى أن التنسيق شمل كل أطراف الحـ.ـرب دون استثناء”. وأضاف: “ثمة معلومات تشير إلى أن التنسيق قد يكون انحصر فقط مع “جيش تحرير السـودان” وتحالف “تأسيس”. مرجحاً فرضية التنسيق الشامل، وقال: “أعتقد أن التنسيق تم مع كل الأطراف، وهو السيناريو الأقرب لما حدث سابقًا في موضوع (هجليج) برعاية أمريكية غالبًا”.

ودلل د. صلاح الأمين على فرضية حصول المنظمات على إذن من المركز بقوله: “من المستبعد جدًا أن تدخل منظمات بهذا الحجم والسمعة الدولية دون إذن من الحكومة المعترف بها دوليًا، خاصة وأن هذه المنظمات تملك مكاتب قطرية في بورتسودان”. وحذر الأمين من مغبة العبور دون موافقة رسمية، مؤكدًا أنه “في حالة دخولها دون إذن، ستقوم الحكومة في بورتسودان بإغلاق مكاتب تلك المنظمات فورًا، كما أن حدوث ذلك دون موافقة يعتبر خرقًا صريحًا للقانون الدولي الذي يحمي سيادة الدول”.

وأكد الأمين أن الرؤية المثلى لإدارة هذه القوافل وضمان وصولها إلى مستحقيها من النازحين والمنكوبين بعيدًا عن التلاعب، عبر التنسيق المباشر مع المبادرات السـودانية الموجودة على الأرض، مثل غرف الطوارئ والتكايا والمبادرات المجتمعية الأخرى”.

وشدد الأمين على ضرورة تحديد أدوار السلطات بدقة، مقترحًا أن يقتصر دورها على الجانب الأمني والسيادي فقط، حيث قال: “يجب أن تقوم السلطات بحماية هذه القوافل وتقديم أذونات التحرك فقط، دون التدخل أو الدخول في عمليات التوزيع الميدانية”، وذلك لضمان حيادية العمل الإنساني ووصوله إلى الفئات الأكثر تضررًا من الحـ.ـرب.

تفكيك المركزية

تحليلات اخرى ترى أن فتح مسار (أدري – دارفور) ضربة لمركزية القرار الإغاثي التي كانت تنطلق حصراً من بورتسودان. وبحسب تلك الرؤية، فإن المشهد يكرس لتعدد السلطات؛ إذ بات لكل منطقة نفوذ “بوابة سيادية” خاصة بها تتعامل من خلالها مع المنظمات الدولية. هذا الواقع قد يمهد الطريق لنظام إداري جديد تفرضه الاحتياجات الإنسانية على الأرض قبل أن تقره المسارات السياسية الرسمية.

مأزق “بورتسودان”

وطبقا للمحل السياسي عمر سفيان سالم في حديثه لـ”راينو” فإنه غض النظر عن تضارب الروايات التي يقولون بها أو الحديث عن سيادة هي بالأصل منتهكة بفعل جيش البرهان وإسلامييه، إلا أن الواضح على الأرض هو أن القوافل دخلت إلى مناطق تسيطر عليها قوات الدعم السريع وتخضع لحمايتها، بالتالي فإن السلطة تنعقد لهذه القوات بما يجعل التعامل الدولي مباشرا مع الدعم السريع دون اي وجود أو تأثير لبورتسودان وجيشها، معتبرا أن ذلك يفرض على حكومة البرهان خيارين، وقال: إما إدانة الخطوة باعتبارها خرقاً للسيادة، وهو ما قد يضعها في مواجهة مباشرة مع الأمم المتحدة وفي موضع المعرقل للإغاثة والمساعدات. وثانيهما القبول صمتاً بالواقع الجديد، وهو ما يعني التنازل التدريجي عن حق الإشراف الكامل على إقليم دارفور لصالح الإدارات المحلية وتحالف “تأسيس”.

واضاف: لقد تجاوزت القافلة الأممية الحدود الجغرافية، لكنها عملياً تجاوزت “الخطوط الحمراء” للبيروقراطية المركزية، وتابع: المشهد الدولي الآن يتعامل مع الخارطة السـ.ـودانية وفقاً لـ “مناطق السيطرة والإدارة”، مما يعزز من فرص القوى المحلية التي تثبت قدرتها على حماية المدنيين وتأمين الخدمات بعيداً عن لغة الحـرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار