حقائق فظيعة كشفها تقرير أصدره مشروع “سودان ويتنس”، وهي منظمة دولية غير ربحية مستقلة تعمل على توثيق انتهاكات الحرب؛ إذ أماط اللثام عن أحد أكثر فصول الحرب السودانية قتامة: جيشٌ خاضع لسلطة بورتسودان، محكومٌ بعقيدة أيديولوجية متجذّرة في بنية جماعة الإخوان المسلمين (الكيزان)، يستخدم قوته الجوية ضد شعبه من المدنيين في المناطق السكنية والأسواق!
وبحسب التقرير، فإن 2900 من المدنيين سقطوا بين قتيل وجريح في الهجمات الجوية التي شنّها طيران الجيش على المناطق المدنية منذ بداية الحرب — مع الإشارة إلى أن المنظمة نفسها نوهت بأن إحصاءاتها هي حصيلة تحليل 384 غارة جوية فقط من مجمل الغارات التي نفذها الطيران، علماً بأن العدد الحقيقي للغارات الجوية يتجاوز الألفين في أقل تقدير، إذا ما احتُسبت بمعدل غارتين فقط في اليوم الواحد!
هذا مع العلم بأن غارة جوية واحدة العام الماضي على سكان مدينة الكومة في شمال دارفور أسفرت عن سقوط ما يعادل ربع العدد الذي أوردته المنظمة.
ولكن لا بأس؛ حتى بهذا العدد الذي أوردته المنظمة (2900 مدني) فإنه يمثل إبادة جماعية مكتملة الأركان.
وأكد التقرير أن الجيش استخدم قنابل غير موجهة في مناطق مكتظة بالسكان: 135 غارة على الأحياء السكنية، 35 غارة على الأسواق، و19 ضربة طالت مرافق إنسانية وصحية وتعليمية!
كما وثّقت المنظمة سقوط قنابل SH-250 على مخيمات النازحين، مثل مخيم زمزم في شمال دارفور، وهو مشهد يكشف أن المدنيين ليسوا “أضرارًا جانبية”، بل ضحايا مباشرين لهجمات وحشية انتقامية بلا ضوابط!
وامتدت الضربات إلى مدن مثل حمرة الشيخ، الضعين، مليط، ونيالا، في نمطٍ يقترب من العقاب الجماعي، ويعكس تزاوجاً خطيراً بين الحسابات العسكرية والعداء الأيديولوجي لمجتمعات آمنة غير مسلحة بعد تصنيفها تعسفياً باعتبارها “حواضن” اجتماعية لعناصر الدعم السريع!
ويشير الخبراء إلى أن افتقار الجيش لأسلحة دقيقة، مقرونًا بعقيدة إخوانية ذات نزعة إقصائية وعدوانية، أنتج حرباً جوية منفلتة من أي التزام بأخلاق أو قوانين الحرب!
وحين دخلت الطائرات المسيّرة إلى المشهد في الأشهر الأخيرة، لم يتغيّر إلا شكل الجناح. أمّا العقل، فبقي كما هو: ضربات بلا تمييز، وردود تزيد دائرة النار اتساعًا. وهكذا تحوّلت السماء إلى صفحة يومية من القلق، لا إلى ساحة مواجهة محسوبة.
الخلاصة التي لا يمكن الهروب منها أن الجيش المُؤدلج لم يعد جيشًا وطنيًا. جيشٌ يرى في قطاعات واسعة من شعبه أهدافًا محتملة، لا مواطنين لهم حق الحماية.
ومن هنا تأتي ضرورة بناء جيش جديد… ليس من باب التفكيك السياسي، بل من باب بقاء السودان نفسه وشعبه. والمطلوب تأسيس جيش قومي مهني، لا تابع لتنظيم أو جماعة، ولا محمول بولاءات ضيقة.
فالسودان لن ينهض ما لم يُعاد الجيش إلى موقعه الطبيعي: *درعاً للسودان، لا ذراعاً للكيزان وسنداً للإخوان.