السودان

منعم سليمان يكتب: سجن كوشيب .. ضوء يتسرّب من مقابر الظلام

بقلم: منعم سليمان

أخيراً نطق قضاة المحكمة الجنائية الدولية أمس بحكمهم على مجرم الحرب “علي كوشيب”، وقضوا بسجنه لمدة عشرين عاماً.

عشرون عاماً من السجن ليست مجرد أرقام تُسجَّل في دفاتر السجون، بل صفعةٌ على وجه الجريمة، ونافذةٌ تُفتح ليطلّ منها الضوء على مقابر دارفور الجماعية، حيث ما تزال الأرواح البريئة تُمسك بأطراف العدالة وتجرّها جرّاً نحو الحقيقة.

إنّ هذا الحكم لا يُدين هذا المجرم وحده، بل يزيح الستار عن مؤسسة كاملة قامت على العنف والدم، هي الجماعة الإرهابية (الحركة الإسلامية) – الكيزان – التي أمسكت برقبة السودان ثلاثة عقود، وأطلقت شياطين البوادي وكتائب الظل لتسفك الدماء باسم الدين، وتُحيل القرى رماداً، وتزرع في الأرض رعباً يشبه يوم القيامة.

ولم يكن كوشيب إلا ترساً واحداً في ماكينة قتل مصمَّمة بعناية؛ أمّا العقل المدبّر فهو ذلك المشروع الذي وُصف زوراً بأنه “حضاري”، بينما لم يخلّف إلا التخلّف والحروب والتمزيق والخراب.

وجاء هذا الحكم ليقول بوضوح إنّ العدالة قد تغفو ولكنها لا تنام، وقد تمشي ببطء لكنها لا تضل الطريق أبداً، وقد تتعثر لكنها لا تسقط. وإنّ الطريق إليها، وإن طال، لا بدّ أن يصل إلى أبواب المجرمين الكبار: البشير، وأحمد هارون، وعبد الرحيم محمد حسين، ومن سار على خطى فظائعهم في حرب 15 أبريل.

فالدم واحد، والنية واحدة، والجرح الذي فُتح في جسد البلاد لا يزال ينزف، شاهداً على أنّ الإفلات من العقاب لم يعد قدراً محتوماً، بل لعنةً تطارد القتلة إلى آخر العمر مهما طال الزمن.

لكن الأخطر من جراح الماضي هو عودة أشباحه اليوم؛ إذ تحاول الحركة الإرهابية الإسلامية – بعد أن سقط مشروعها وانكشف عُريها الأخلاقي – أن تتسلل مرة أخرى إلى السلطة، متدثّرة ببندقية الجيش، تدفعه إلى فظائع لا تقل بشاعة عمّا ارتكبته في إبادة دارفور الأولى، في محاولة بائسة لإعادة إنتاج الخراب ذاته بوجوه جديدة، لكنها تحمل العقلية نفسها: عقلية الاستبداد المقدّس، وإدمان الدم، واحتقار الإنسان وحريته.

وفي هذا اليوم التاريخي، لا بدّ أن تُقال الكلمة بجرأة لا التباس فيها: إنّ الحركة الإسلامية، المسؤولة تاريخاً وواقعاً عن الإبادة الجماعية التي مزّقت دارفور، مسؤولةٌ اليوم أيضاً عن دفع البلاد نحو هاوية جديدة باسم الجيش هذه المرة. وإنّ إدانتها ليست شأناً سياسياً فحسب، بل واجبٌ أخلاقي وتاريخي، لئلا تتكرر المأساة، ولئلا تُدفن الحقيقة تحت ركام صمتٍ جبان.

لقد بدأت العدالة خطوتها الأولى، وعليها أن تُكمل الطريق حتى تُقطع الأيادي التي امتدّت للقتل مرّتين، وحتى يُقال للسودان أخيراً: لقد انتهى زمن الظلام.

إنّ العدالة، مهما تأخرت، تأتي في الوقت المناسب .. ويا له من وقت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار