السودان
الجنينة .. كيف أغرقت الاستخبارات مدينة الحدائق في بحور الدماء (الحلقة الأولي)

الجنينة : وكالة راينو
تبلغ مساحة ولاية غرب دارفور 30680 ميل مربع، وعدد سكانها حوالي مليون نسمة، وتقع أقصى غربي السودان، قُبالة الحدود مع دولة تشاد. وتضم ثمان محليات، كلها تقع على الشريط الحدودي مع دولة تشاد. عدا كرينك، التي تطل على ولاية شمال دارفور، وتقطنها أكثر من (48) قبيلة، تنضوي تحت قانون الإدارة الأهلية، الذي يترأسه سلطان عموم دار مساليت (سعد عبد الرحمن بحر الدين. ويستظل تحت إدارته الأمراء و(الفُرش)، والعُمد والشيوخ.
غرب دارفور ولعنة الحروب:
وعانت الولاية كثيراً من خلال السنوات الأربع، من حروبات قبلية قديمة متجددة ومتجذرة، بين قبيلة المساليت، والقبائل العربية. فانطلقت شرارة الحرب في ديسمبر من العام (2019)، فيما عُرف بأحداث (مُخيم كريندق)، وتوالت الصراعات تباعاً، وفي مناطق مختلفة، كان آخرها الاشتباكات التي انطلقت في الرابع والعشرين من أبريل المنصرم. وعقب اندلاع الاشتباكات المسلحة بين الجيش والدعم السريع في الخرطوم في الخامس عشر من أبريل، تخوف مواطنو ولاية غرب دارفور من اتساع دائرة القتال خارج العاصمة، سيما وأن غرب دارفور، تشهد هشاشة أمنية وتفكك مجتمعي، جراء الحروبات القبلية. وبعد اشتداد وتيرة الاشتباكات في الخرطوم، تزايدت وتيرة الاحتقان القبلي داخل الجنينة، ووضح جلياً أن بعض الجهات، كانت تسعى لجر المنطقة إلى حرب تبدو في ظاهرها قبلية، لكن تنفذ عبرها، أجندة الصراع العسكري.
في هذه الاجواء نشطت قوات التحالف السوداني، ومليشات قبلية محسوبة على قبيلة المساليت، وسيطرت على منطقة الجمارك غربي الجنينة. وأصبحت تعتدي، وتقتل كل من لا ينتمي عرقياً أو تنظيمياً إليهم، فكثرت الاعتداءات في منطقة الجمارك على أساس اللون والقبيلة، كان أبرزها مقتل ثلاثة من ابناء الرحل، إثنين منهم اشقاء، هما (محمد عيسى قباقي)، و(حمدان عيسى قباقي)، أمام منزل الوالي (خميس عبدالله)، بعد إطلاق النار عليهم، في العشرين من أبريل، وفي اجتماع بين أهل القتلى وحكومة الولاية، والمكاشفة والمطالبة بالقبض على الجناة، رفض (خميس) ذلك، وقام بدفع الديات. هنا استشعر أهل الولاية الخطر الذي يحيق بهم.
لقاء جامع:
وفي صعيد متصل قال الأمير (تيجاني مختار عثمان)، رئيس لجنة الرصد والمتابعة بمبادرة اهل الجنينة:(شكلنا لجنة بعد اندلاع الاشتباكات المسلحة في الخرطوم بموافقة أطراف النزاع القبلي المساليت والقبائل العربية، وإشراف سلطان دار مساليت “سعد عبدالرحمن بحرالدين”). وكشف عن لقاء جامع ضم كافة المكونات الاجتماعية، بما فيهم المكتب التنفيذي للقبائل العربية، والمكتب التنفيذي لقبيلة المساليت، حيث تم الاتفاق على العمل من أجل تجنيب المنطقة ويلات الحرب التي حدثت في الخرطوم. وأضاف:(إذا امتدت الحرب بين الجيش والدعم السريع إلى الجنينة، ستتحول إلى حرب بين المساليت والعرب). وتابع:(حسب تنبؤاتنا فإن المساليت سينضمون للجيش، والعرب سينضمون للدعم السريع، وستكون حرباً بالوكالة.
قائد الفرقة يحمل استخباراته المسؤولية:
وأشار الأمير (تيجاني مختار عثمان)، رئيس لجنة الرصد والمتابعة بمبادرة أهل الجنينة، إلى أن حادث مقتل 3 أشخاص في السابع والعشرون من رمضان أمام منزل الوالي، كان مرشحاً لأن يكون بداية شرارة الحرب، وزاد:(لكن تجاوزناها بالجهود التي بذلها المكتب التنفيذي للقبائل العربية، ولقاءهم مع الوالي. وفي ظل هذه الاوضاع اتفقنا على النزول السوق يوم الإثنين، الموافق للرابع والعشرون من أبريل، لنوضح للمواطنين أن حادث مقتل الأشخاص الثلاثة تم حسمه، ونحث التجار على مزاولة أعمالهم. لكننا تفاجأنا صباح يوم الإثنين، بسماع صوت إطلاق نار كثيف تجاه “الجمارك”، بالقُرب من مقر القوات المشتركة السودانية التشادية، وعلمنا أن قوة من الجيش كانت بصدد الوصول إلى مقر القوات المشتركة السودانية التشادية، لاستلام بعض السيارات. وأنهم عبروا أمام مقر قوات الدعم السريع وحدثت اشتباكات و”بدأت الحرب”). وقال (مختار)، أنهم تحركوا على الفور الي قيادة الجيش، وقابلوا قائد الفرقة (15) مشاة، وعاتبوه على ما حدث من تجاوز.
وبحسب المبادرة المجتمعية فقد تقرر أن تبقى أي من قوات الجيش أو الدعم السريع في مواقع سيطرتها، ولا يتم أي تحرك إلا بالتنسيق مع لجنة الأمن، وإبلاغ القوة التي تسيطر على المنطقة. وأشار (مختار) إلى أن مبررات قائد الفرقة (اللواء عمر الطيب)، كانت إن هذا العمل يخص الاستخبارات العسكرية. وتابع مختار قائلاً أن الحرب اشتعلت، وعمت الفوضى، وتم نهب السوق، وبعض الاحياء السكنية. وكشف عن لقاء جامع انعقد في الرابع والعشرين من أبريل، بحضور قيادات قبيلة المساليت، والقبائل العربية، وأعضاء المبادرة، والسلطان (سعد عبدالرحمن)، لتدارك المشكلة، وأضاف:(طالبنا الحضور بالعمل على عدم تكرار ماحدث من اشتباكات، واتفق المجتمعون على وقف شامل لإطلاق النار، وفتح المسارات والمستشفيات والأماكن العامة، لكننا تفاجأنا بكلام من الفرشة (الطيب)، وهو أحد قيادات المساليت، مشيراً إلى أن مقاتلي المساليت، عندما تشتعل الحرب، “سيمسحون العرب مسح”).
الاستخبارات تفشل مبادرة السلم:
أصدرت مبادرة أهل الجنينة بياناً أكدت فيه أن ممثلو الإدارة الأهلية والأعيان والمرأة والتجار، ومنظمات المجتمع المدني، والإعلام الشعبي والأجهزة الإعلامية، وممثلي النازحين والرحل. وبحضور السلطان (سعد عبد الرحمن بحر الدين)، والمكتب التنفيذي للإدارة الأهلية للقبائل العربية وأمراء القبائل، من أجل الحفاظ على أمن واستقرار الولاية، وتناسو كل الجراحات والخلافات والحزبية والعصبية والقبلية والجهوية، قبلتهم هي غرب دارفور، وحقن دماء المواطنين).
وأشار البيان إلى أن المجتمعين اتفقوا على مطالبة الأجهزة الأمنية بضبط النفس، وعدم الصدام داخل الولاية، وفتح المعابر والطرقات الرئيسة وتأمينها. بجانب فتح الأسواق والمرافق الصحية والخدمية، وتوقيع وثيقة مجتمعية بقيادة الإدارة الأهلية، وقيادات المجتمع بالولاية. وأكد البيان ضرورة محاربة المتفلتين و(المواتر)، والظواهر السالبة، ومحاربة الخطاب الإعلامي المثير للفتن وبث خطاب إيجابي في مواقع التواصل الاجتماعي ، وتأمين الطرق التي تربط بين الولاية ومحلياتها. وطالب البيان الجيش والدعم السريع بوقف الاستقطاب داخل المجتمعات المحلية، وإلزام الحركات المسلحة الموقعة على السلام بالبقاء في أماكنها التي حددتها اتفاقية جوبا للسلام، كما حدد الساحة التي تقع جنوب مستشفي الجنينة، كنقطة انطلاق للتبشير بالمبادرة.
https://we.tl/t-5QfchVATpR



