السودان
اللواء كمال إسماعيل لـ”راينو”: الاسلام السياسي بشقيه السني والشيعي سيُقتلع نهائياً من السودان

في حوار مطول يكشف اللوء كمال إسماعيل عن كواليس تتعلق بمواقف الجيش، وارتباك مؤسسات الدولة، واختراق الإسلاميين، حديثه ينزع الغطاء عن تفاصيل خفية من اتصالات ما بعد انقلاب 25 أكتوبر، ويضع القائد العام عبد الفتاح البرهان أمام مسؤولية القرار العلني لا الموارب. ويؤكد إسماعيل أن الحرب لم تبدأ في 15 أبريل بل لحظة نصب السور حول القيادة العامة.
حوار: راينو
استمرار الحرب هو التهديد الحقيقي للسيادة وليس الضغط الدولي لوقفها
استمرار الحرب هو التهديد الحقيقي للسيادة وليس الضغط الدولي لوقفها
(*) حالياً حدث التفاف حول «الرباعية» ومبادرتها، سواء من المجتمع الدولي أو الإقليمي، ومؤخراً من روسيا وتركيا. في اعتقادك، هل يمكن بالفعل أن تحقق اختراقاً لصالح وقف الحرب في السودان والمضي نحو عملية سياسية؟
الرباعية صحيح بدأت رباعية، لكنها أصبحت دولية، بحيث إنّه انضمّ إليها الاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي ودول كثيرة أخرى، فأضحت شأناً دولياً، وأيضاً شأناً سودانياً. فالشعب السوداني كله يريد، أو يسعى بكل قوته، نحو إيقاف الحرب وإنهاء معاناته المتزايدة. وهذا التأييد بلا شك له أثر، وسيكون عنصراً ضاغطاً على الطرف الرافض. والطرف الرافض معروف لدينا: هم الإخوان المسلمون الذين أشعلوا الحرب، وهم الرافضون، وهم المستفيدون.
وحالياً هناك حرب كبيرة جداً جداً على الإسلام السياسي، ليس في السودان فحسب، بل في كل مكان. وأعتقد أن الإسلام السياسي بشقيه السني والشيعي أساء للإسلام، فالإسلام دينٌ بَراءٌ من كل سوء، ودينٌ يعتنقه الناس؛ أما دخول الدين في السياسة عبر الإسلام السياسي والإصرار على القتل والتدمير والانتهاكات وكل تلك المسائل، فهذا أمر مرفوض تماماً.
وبالتالي، بالتأكيد سيُهزمون. وإذا كانوا يرون أن الحرب فيها منتصر ومهزوم، فالطرفان مهزومان، والمهزوم الأكبر هو الشعب السوداني. وهم وحدهم المنتصرون وفق تصورهم، لأن تلك شيمتهم وهذه ممارساتهم وأفكارهم: القتل، والدمار، والتدمير. وبالتالي أعتقد أن هذه آخر فرصة لهم، لأنهم سيُقتلعون من أرض السودان كما اقتلعوا من كل المناطق الأخرى.
(*) لكن بحسب المتابعات والتحليلات السياسية الكثيرة، يُقال دائماً إن نظام الإسلاميين مسيطر على خارجية النظام الموجودة في بورتسودان، ووزارة الخارجية نفسها أعلنت موافقتها. هذا معناه أن المتعنت الحقيقي هو الجيش؟
أبداً… الجيش مثل المؤسسات الأخرى، وبالتأكيد خلال الثلاثين سنة تغلغل الإسلاميون في كل المؤسسات، بما فيها الجيش. وبالتالي حتى قائد الجيش حينما وافق على الإصلاح داخل الجيش، فهذا معناه أنه يعرف ويعترف بأن الجيش محتاج إلى إصلاح، مثل المؤسسات الأخرى التي تحتاج إلى إصلاح.
وحالياً الخارجية لم تعلن إعلاناً رسمياً مطلقاً، ولم تقل “قبلنا” أننا موافقون. هي أعلنت بشروط ومسائل أخرى. وأي إعلان فيه شروط هو رفض مُبطّن. كذلك هم لم يسلّموا ورقتهم كما سلّم الدعم السريع وقال: نحن موافقون.
الحقيقة لم تصدر عنهم موافقة محسوسة. كلها أحاديث من أجل “الميديا” وإذا كانت حقيقية لظهرت تفاعلات وتقلبات بين نعم ولا ومسائل من هذا النوع.
الموافقة الحقيقية هي أن رئيس الدولة، البرهان، يخرج ببيان يقول فيه: «نحن موافقون على الرباعية»، ثم يذهب مباشرة في خط وقف إطلاق النار والحوار.
فالحوار أساساً هو معركة، لكن معركة لسان، والبندقية معركة اسنان، بالتالي أي حوار أو وقف أو هدنة يوقف القتل والانتهاكات وما تبقى من الشعب السوداني. وهذه مسألة ضرورية. وأنا أرى أنه لا توجد موافقة حتى الآن. وحتى الرباعية لم تعلن موافقة الجيش، بل أعلنت موافقة الدعم السريع. هذه هي الحقائق.
الإخوان المسلمون أشعلوا الحرب وهم الطرف الرافض للهدنة والرباعية أصبحت شأناً دولياً يضغط لوقف الاقتتال
الإخوان المسلمون أشعلوا الحرب وهم الطرف الرافض للهدنة والرباعية أصبحت شأناً دولياً يضغط لوقف الاقتتال
(*) مسعد بوليس أشار في تصريحه الأخير إلى أنه غير معني بتصريحات البرهان بقدر ما هو معني بالالتزامات والمواقف، وهذه إشارة واضحة. وبعدها عقّب بأن خارطة الطريق الخاصة بالرباعية ماضية. هل يعني هذا موافقة تحتية أو ضمنية أو مستترة من قبل البرهان؟
القائد العام هو المسؤول.. فلماذا يوافق “تحت الترابيزة”؟ نحن كشعب نريد أن نعرف إن كان موافقاً. الموافقة بهذه الطريقة غير مقبولة ولا تصلح. الموافقة يجب أن تكون علنية.
إذا كانت لديه تخوفات من الإسلاميين ومسائل كهذه، فهناك العديد من الحلول طرحت عليه، وقيل له إنه لا يوجد خوف عليه. فالشعب معه طالما مع وقف الحرب، والمجتمع الدولي معه، فلما التردد؟ لا مجال للتردد.
الجيش جزء من الكابينة مخترقة من الإخوان المسلمين، والشرطة مخترقة، والقضاء مخترق. التمكين ما يزال موجوداً. حتى لجنة إزالة التمكين إبان الثورة لم تستطع إزالة كل هذه الأمور. وبالتالي هم أي الاسلاميين سيظلوا متمسكين بعدم وقف الحرب، وسيهددوا كل من يرفض خطهم وحربهم ويطالب بوقف الحرب، كما هي عادتهم.
وأنا أخاطب البرهان: يجب أن يفض مسألة الإخوان المسلمين ويرجع للشعب، إلى إرادة الشعب وثورة الشعب. هذا هو المطلوب الآن.
(*) تحدثت عن أن الحرب أصبحت قضية دولية تهم العالم كله، ألا يعني ذلك إنه إذا تم تمرير خطاب الهدنة الذي طرحته الرباعية كما ترى الكثير من التجليلات، تدويلا للشأن السوداني؟
تدويل للشأن السوداني؟!!! لا ابداً.. هذا المجتمع الدولي كله، أي ليس دولة واحدة تريد أن تتدخل أو تفرض اشياء.. هذا المجتمع الدولي كله رأي وشاهد.. الدولة السودانية لها وعليها التزامات للمجتمع الدولي سواء مجلس الأمن أو الاتحاد الإفريقي أو غيرهم من المنظمات والجهات والدول.
ما حدث ويحدث من انتهاكات وقتل وما شاهده الجميع في الفيديوهات شيء مؤسف جداً جداً، لم يحدث في تاريخ العالم. ولذلك ليس هناك تدويل بل هناك «مساعدة». وهي مساعدة مطلوبة. ونحن كشعب يجب أن نتجاوب. وأنا أخاطب أو ألوم القوى السياسية كلها: يجب أن تتوحد. إذا لم تتوحد في هذه الظروف.. فمتى ستتوحد؟ وإذا لم تتوحد وتدعم مبادرة الرباعية ووقف إطلاق النار فمن تريد أن تحكم؟
القوى السياسية مطالبة بالاستجابة لرغبات شعبها.. والشعب يطالب بتوحدها لايقاف الحرب، وبناء السودان الجديد عبر مؤتمر مائدة مستديرة، ودستور متفق عليه… هذا واجب القوى السياسية. ولكن للآسف الصوت العالي صوت البندقية وصوت المجتمع المدني غير ظاهر.
المجتمع المدني غائب وصوت البندقية هو الأعلى ولا بد من وحدة القوى السياسية الرافضة لاستمرار الحرب
المجتمع المدني غائب وصوت البندقية هو الأعلى ولا بد من وحدة القوى السياسية الرافضة لاستمرار الحرب
(*) إذن لا خوف على السيادة واستقلالية القرار السياسي السوداني كما تزعم العديد من الجهات؟
بالتاكيد لا يوجد أي خوف من المساس بالسيادة كما يقول خطاب الرافضين لوقف الحرب. العكس هو الصحيح، استمرار الحرب المدعومة من أطراف معينة هو المساس الحقيقي بالسيادة.
أما إيقاف الحرب فهو المجتمع الدولي كله، مدعوم من الاتحاد الأوروبي، والاتحاد الإفريقي، ومجلس الأمن. فهذا ليس مساساً بالسيادة. المساس الحقيقي هو استمرار الحرب. ودعم أطراف معينة لطرف.
(*) قلت إن دور القوى السياسية هو التوحد لدعم مبادرة الرباعية لوقف الحرب. وبما أنك موجود داخل أكبر كتلة سياسية وهي «صمود»، وصمود نفسها موافقة على الرباعية وداعمة لوقف الحرب—وهذا أساس وجودها— فأي قوى سياسية أخرى تقصد؟
أنا اتحدث عن قوى سياسية أخرى
(*) مثل من؟
مثل التأسيس، والجذريين, والقوى خارج صمود.. لكن هذا غير كافٍ.
أنا أناشد كل القوى: الجذريين، حزب البعث، تأسيس، والمستقلين، وكل القوى المدنية والسياسية والنقابية بجميع أطيافها، هذا هو الوقت الذي يجب أن يتوحدوا فيه.
وسبق في كل الثورات السودانية، كلما توحدت القوى، كلما هُزم العدو. وفي التجمع الوطني الديمقراطي اتحد الشعب السوداني كله فعلاً، وتناسوا خلافاتهم. والتنوحد لا يعني إلغاء طرف إلى الآخر، كما أن الناس لا يتوحدون على القادة ولا على القضايا الشخصية؛ بل يتوحدون لهدف محدد.
نحن في «تضامن» قمنا بعمل ممتاز جداً: جمعنا 17 حزباً، بمن فيهم الحزب الشيوعي. وكلهم اتفقنا معهم وتحدثنا عن وحدتهم كجهة مستقلة، وطرحنا أربع قضايا:
أن يتوحدوا: لإيقاف الحرب، المسائل الإنسانية. إيقاف خطاب الكراهية. تنفيذ واجبات الثورة والمدنية والمؤسسات الديمقراطية.
وقدمنا لهم ورقة، ونحن نعمل معهم على هذا الأساس. الناس تتوحد على هذه الأصول. وهم متوحدون إلى حد ما، لكن التقلبات الحزبية يجب أن تُتجاوز الآن. وليتحد الناس على الأجندة المتفق عليها والحد الدنى، وهي أربع أشياء تطالب بها الرباعية، ويطالب بها شعبنا، ويطالب بها المجتمع الدولي. والناس فعلاً اتفقوا عليها.
الثورة اقتلعت الإسلاميين، لكن القوى السياسية فشلت في استكمال المسار ومحاكمتهم
الثورة اقتلعت الإسلاميين، لكن القوى السياسية فشلت في استكمال المسار ومحاكمتهم
(*) في سياق حديثك أيضاً وردت نقطة مهمة جداً، وهي أن كل حركات الإسلام السياسي بمختلف شقيها—السنية والشيعية—ستُقتلع من السودان كما اقتلعت من مناطق أخرى حول العالم. ونحن شهدنا خلال 30 سنة، وما قبلها، وفي الديمقراطية الأخيرة، وفي فترة نميري، أن الإسلاميين كانوا لاعباً أساسياً. فهل نقول إن القوى السياسية المدنية عاجزة أو فاشلة تماماً عن إنتاج صيغة تقتلع الخطاب من جذوره وتجفف منابعه؟
الفترات السابقة كان الاسلاميون كانوا مشاركين في الجو السياسي كله، لكن الثورة اقتلعتهم فعلاً. الثورة التي قامت وهزمت الإخوان المسلمين اقتلعتهم من السودان.
(*) لكنهم نجحوا في العودة لأن القوى السياسية لم تستطع تكملة مشوار الثورة، خصوصاً في إزالة التمكين ومحاكمتهم. لا يمكن أن يبقى أناس حكموا 30 سنة، وقتلوا، وأحدهم افتخر بأنه قتل 28 ضابط في يوم واحد، علي عثمان محمد طه يخرج من السجن ولم يعاقب؟!!! ولم تتم مساءلة احد.
هذا خطأ ليس خطأ الثورة السودانية، بل خطأ النخب التي جاءت وفاوضت وحكمت. كان المفترض، لاقتلاعهم أن يُسلّموا للمحكمة الجنائية لمحاكمات داخلية وغيره .. حتى لا يتكرر ذلك مرة اخرى..
هؤلاء الناس أحرار وطلقاء، خرجوا كما هم، وجاؤوا لينقلبوا على الثورة، وينتقموا من الثورة وشبابها. وهذه شيمتهم..
(*) القوى السياسية التي تلومها أنت جزء منها، وتتمتع بصفة تميزك نسبياً بحكم الخبرة العسكرية. عن حلفاءك تجعلك موازيا للمكون العسكري الذي لا تملك حلفاءك في القوى السياسية خبرة في التعامل معه.. ومع ذلك دوركم كان غائبا كعسكريين متقاعدين؟
دورنا لم يكن غائباً أبداً، ويشهدوا كلهم على ذلك. وأنا شخصياً كنت في عملية قلب.. ولكن قبل ذلك آخر اجتماع تم 2018م كان في بيتي بالمنشية، وفيه القوى السياسية، وقلنا نفس هذا الكلام. وبسبب هذا الاجتماع تم إعتقالنا ومكثنا 6 اشهر في الزنازين بسجن كوبر. وللآسف خرجت مريض وسافرت للعلاج في القاهرة.. وكانت الثورة السودانية تمضي.. وكنا على متابعة بالهاتف حتى نجحت.. وحاولنا ان نشرك في وفد التفاوض عسكريين، ورشحتُ اللواء محمد علي حامد، وحليفي كانوا نماذج مساندة للثورة وضد الانقاذ منذ وقت مبكر، وكان مفترضاً أن يكونوا سنداً للمدنيين في التفاوض مع العسكريين. لكن لم يُستجب لكلامنا.
لا خوف على السيادة لأن العالم لا يفرض شيئاً بل يساعد على وقف الانهيار، والحرب لم تبدأ يوم 15 أبريل بل يوم بنوا السور حول القيادة العامة
لا خوف على السيادة لأن العالم لا يفرض شيئاً بل يساعد على وقف الانهيار، والحرب لم تبدأ يوم 15 أبريل بل يوم بنوا السور حول القيادة العامة



