حين يكون السؤال إجابته “نعم” أو “لا”، فإن الإجابة لا تحتمل سوى هذين الاحتمالين، وأي إجابة ثالثة إنما هي مراوغة للعقل، وهروب من سطوع الحقيقة. فالحزم في الجواب مرآة الصدق، والتردد ستار يخفي وراءه ضعف الموقف أو خوف الاعتراف!
أمس، انتظر السودانيون، وكل من يعنيهم وجعه ومأساة شعبه، رد الجيش على المبادرة الأمريكية التي جاءت تتويجاً من اللجنة الرباعية، لإقرار وقف إطلاق النار كهدنة إنسانية تمتد لثلاثة أشهر، إيصالًا للإغاثة إلى المنكوبين من أهوال الحرب!
وكان طرفا النزاع (الجيش والدعم السريع) قد وافقا في مفاوضاتهما -السرية- مع الإدارة الأمريكية في واشنطن على الهدنة، غير أن الجيش طلب من الوسيط الأمريكي مهلة عودة إلى بورتسودان لإخراج الأمر في صورة “مؤسسية” لا تسبب له حرجاً أو اضطراباً. ولأن الإدارة الأمريكية تدرك تمامًا وضعية وفد الجيش، فقد وافقت على ذلك، وتعاملت معه كقاصر يحتاج إلى إذن ولي أمر ليقرر نيابة عنه!
وبالطبع، نحن جميعاً – لغاية الأسف – نعلم ما الذي يخشاه الجيش، ومن يختطف قراره، ومن هو ولي أمره!
وأمس، تم اجتماع إخراج الأمر، وحدث ما حدث – كما قال قائلهم حين مذبحة – وسمع العالم بأسره بيان وزير الدفاع المرتبك، الذي كتب بلغة مائعة، لا هي موافقة ولا هي رفض، لغة تعبّر عن موقف لا يليق بقيادة جيش وطني، ويليق بعاهرات التاريخ: يتمنعن وهن راغبات، ويحلفن وهن كاذبات، ويتظلمن وهن ظالمات!
لست هنا لأناقش ما إذا كان رد الجيش موافقة على الهدنة أم رفضاً لها، فقد أوضحت موقفي بالأمس أن أصحاب الجيش الحقيقيين لن يوافقوا على وقف الحرب تحت أي ظرف من الظروف، ما لم يبلغوا الغاية التي أشعلوها من أجلها، وهي الوصول إلى السلطة، أما من يجلسون اليوم على دفة القيادة فليسوا سوى أتباع لهم أو موظفين يبحثون عن الرزق!
لكنني هنا لأعبر عن أسفي كما خجلي، وأنا أرى جيش بلادي، الذي يفترض أنه سند الوطن وحامي حماه وسيادته، يتصرف كالمومس في ليل بهيم!
حين كنا نقول ما يعلمه كل السودانيين؛ أن هذا الجيش إنما هو جيش الحركة الإسلامية، وأن هذه الحرب حربهم، كان قائد الجيش عبد الفتاح البرهان يخرج علينا بعينين زائغتين مردداً: “أين هم الإسلاميون؟ أين هم الكيزان؟!”
وكان الكل يعلم أن البرهان يكذب؛ الشعب والجيران والأمريكان، كلهم يعلمون أنه يكذب. ولو أن أحداً في هذا العالم صدقه يوماً ، فلن يصدقه بعد موقف الأمس. ربما يجد من يتعاطف معه كقاصر يتيم بلا أب ولا أم، تائه في دروب العجز والضياع، وهو موقف يثير الشفقة والتعاطف والأسى.
البرهان يعيش مأزق (بيضة أم كتيتي)؛ تلك البيضة الخرافية التي تخرج من رحم الكائن الأسطوري الذي أنجبه الخيال الشعبي الكردفاني، والتي تقول أسطورتها: إن وجدتها في طريقك وأخذتها مات أبوك، وإن تركتها ماتت أمك!
وهذا هو مأزقه الذي تجلى في بيانه بالأمس: إن وافق على الهدنة أغضب الإسلاميين، وإن رفضها أغضب الأمريكيين!
إنها قيادة غير وطنية، عميلة ومنحرفة، تهيأت لها كل الظروف لتقود الجيش إلى أداء دوره الوطني المنوط به، لكنها انقلبت على الوطن، فصارت على النحو الذي هي عليه الآن.. دون المومس!