السودان

منعم سليمان يكتب: عفواً أيها القتلة .. مشاعري ليست للإيجار!

بقلم: منعم سليمان

المشاعر النبيلة؛ التعاطف، الشفقة، الحزن، لا تُوجَّه بأمرٍ ولا تُستدرَج بوصاية. لا أتنكّر لها، بل أؤمن بها كما أؤمن بالعدالة، غير أني أرفض أن تتحوّل هذه الأحاسيس إلى تصريح عبورٍ يمرّ به القتلة في طريق عودتهم إلى الحكم.

إن السودانيين يتعرّضون اليوم لأكبر عملية ابتزازٍ تستهدف وجدانهم، إذ يُستغلّ ضعفهم الإنساني الراهن تحت وطأة الحرب، وتُدغدَغ مشاعرهم ويُستثمَر حزنهم الجمعي على يد قتلةٍ متسلسلين يسعون لانتزاع براءةٍ زائفة من شعبٍ يعيش تحت صدمة الخراب، ليتسلّلوا من جديد إلى كراسي الحكم.

لا ينبغي لأيّ حرٍّ وشريف أن يقبل بتوظيف مشاعره من قِبَل القتلة لتبرير جرائمهم، ولا أن يخضع للابتزاز تحت أيّ ظرفٍ من الظروف للاصطفاف من أجل تلميع جريمةٍ ارتُكبت باسم “الكرامة” التي نُزِعَت من معناها الأخلاقي والإنساني، وتحويلها إلى طلقة في الصدر وسكينٍ طويلةٍ تجزّ الرقاب وتبقر البطون وتقطع الأحشاء.

ولا يجوز لأحدٍ أن يسمح لدعاة الحرب بأن يُمْلوا عليه كيف ومتى يحزن، أو أن يُستغلّ حزنه ويُوجَّه حنينه ليغدو غطاءً لعودةٍ تُقام على جثث السودانيين، وأحزانهم، وآلامهم، ودموعهم.

ليس الحزن وليد عامين ونصف كما يريدون لك أن تظن، فالحزن في الفاشر له تاريخٌ مرعبٌ يمتدّ لربع قرنٍ من الزمان؛ صنعه المجرمون أنفسهم الذين يحاولون اليوم تشكيل وعيك بطمس الأدلة وتزوير التاريخ، وجعل يوم إشعالهم لحرب “كرامتهم” الزائفة في الخامس عشر من أبريل عام 2023 بدءًا جديدًا للتاريخ.

أنا من جيلٍ فتح عينيه على الإبادةِ (السابقة والحالية)، والفاعل واحد.

عيشتُ تأسيس تحالف Save Darfur عام 2006 في جامعة نيويورك، ضد الإبادة الأولى، والتي من هولها احتضن التحالف متحفُ الهولوكوست في أمريكا. وأشهد اليوم ميلاد Save Sudan امتدادًا لذاك النضال.

تحالف إنقاذ دارفور وُلد ليحمي أهلها من الإبادةِ الأولى، ويتأسس اليوم تحالف إنقاذ السودان ليحمي السودانيين من الحرب وما تنتجه من إبادةٍ ثانية؛ والفاعل لم يتبدّل: هم الإسلاميون.

لذلك، لا تخدعني أكاذيبهم ولا شعاراتهم الملطخة بالدم، ولن أكون سُلّمًا تُقام درجاته على جثث السودانيين. ولن أتركهم يسرقون شعاري، ولن أتبنّى خطابهم المزيّف عن «الخارج» لتبرئة القاتل الحقيقي.

ولست ممن ينخدعون بشعارهم الكاذب: (الإمارات تقتل السودانيين)؛ فأنتم من تقتلون السودانيين؛ قتلتهم حركتكم الإسلامية من قبل وتقتلهم الآن، كما يعرف السودانيون من هم الذين يساهمون في قتل السودانيين من الخارج ولماذا؟!!

لن أصدّق دموعهم الكاذبة، ولن أبكي لأجل أن يصلوا إلى الحكم بآلامي.

ليس لديّ دموعٌ كافية لأبكي بها جرائم “أبو لولو” في الفاشر؛ لا لأنها لا تستحق البكاء، بل لأن الدموع قد جفّت في المآقي من فرط البكاء على هذه الحرب.

بل إن هذه الحرب جديرة بأن تُسمّى (حرب اللولو)، ففي كل زاويةٍ منها ثمّة “أبو لولو” جديد.

رأينا “أبو لولو” البراء بن مالك يذبح الشباب في بحري، ورأينا “أبو لولو” كتائب الإسلاميين في مدني يقطع الأعناق ويخرج الأحشاء، ورأينا “أبو لولو” الجيش يقصف الأسواق والمستشفيات بالطائرات فيمزّق النساء والأطفال أشلاءً، ورأينا “أبو لولو” كيكل يحرق سكان الكنابي في الجزيرة داخل بيوتهم، ونتمنّى أن يكون آخرهم “أبو لولو” الدعم السريع.

جميعهم “أبولولو” ، وجميعهم من سلالةِ الموت ذاتها؛ يبدّلون الرايات والأسماء، وتبقى الجريمة واحدة – لا تتبدّل لا بإيقاف الحرب، وهم لا يريدون!

لن نسمح أن يُستغلّ وجع دارفور، ولا أن يُتّخذ حزن الفاشر حصان طروادة لعوداتٍ متعفّنة. لن نصمت حين يتزيّا القاتل زيّ الكرامة، ولن نُجمّل الجريمة بالحزن المزوّر.

أيها السودانيون، لا تدعوا أحدًا يبرمج مشاعركم، ولا تؤجروا أحزانكم للقتلة.
فأحزانكم ومشاعركم ليست للإيجار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار