كثيرٌ من خبراء وجهابذة الاقتصاد ظلّوا يُحذرون من أن جبريل إبراهيم، رئيس حركة العدل والمساواة ووزير مالية سلطة بورتسودان، لا علاقة له من قريبٍ أو بعيدٍ بالاقتصاد، ويصفونه بالجهل والتغوّل في شؤونٍ لا يُحسنها.
غير أني لا أُشاركهم وجهة النظر ذاتها؛ جبريل لصٌّ ومنحطٌّ على كافة الأصعدة، يُعبر عن فساده وانحطاطه لا أكثر!
قال جبريل، وهو ينضح جهلًا أمام جمعٍ من الناس في تسجيلٍ مصور بُث أمس الأول: “إن الحرب الدائرة في السودان ليست حربًا داخلية بين الجيش والدعم السريع، بل هي حربٌ كونية محركها الغرب واليهود لتشكيل الشرق الأوسط الجديد”!
من في البلد أذكى من هذا الولد؟
هكذا نطق الرجل الدَّعيّ، ليؤكّد أنه ليس فقط جاهلًا بالاقتصاد، بل بكلّ شيءٍ، بالتاريخ والجغرافيا وحتى بالدين الذي يتكسب من آياته، ويسرق!
والمدهش في الأمر ليس مضمون حديثه وحده، بل ارتباكه الفادح وجهله المريع في استخدام المصطلحات؛ فهو يخلط بين الجغرافيا والسياسة، وبين الدين والدولة. يتحدث عن “اليهود” كأنهم دولة، وعن “إسرائيل” كأنها عقيدة، غيرَ مُدركٍ للفارق بين الديانة اليهودية والدولة الإسرائيلية، مثله مثل من دخل السعودية فظنّ أنه قد دخل الإسلام!
ذلك الخلط الفاضح لا يكشف جهلًا عابرًا، بل قصورًا ذهنيًا فادحًا في فهم أبسط المفاهيم التي يتكئ عليها لتبرير عجزه السياسي كما الشخصي وضحالة وعيه!
ثم ما علاقة السودان بالشرق الأوسط أصلًا، قديمه وجديده؟ هل نحن دولة خليجية، أم من بلاد الشام والعراق والأناضول؟ أم أن السودان قد صار يميل مع الماء والذهب، يتمصّر معهما كما تمصّرا؟!
السودان، يا هذا، جغرافيًا وثقافيًا جزءٌ من شرق إفريقيا، ممتد نحو النيل والقرن الإفريقي، لا نحو صحراء الشام.
أما الشرق الأوسط، فلا يشملنا ولا صلة له بنا، عمَّمه تنظيم الإخوان في نسخته العالمية للمتاجرة بقضية فلسطين، ولا شأن له بالأفارقة السُّود من إخوان السودان من أي جانبٍ كان!
أما الحديث عن (الحرب الكونية) فليس إلا كذبة كبرى ومحاولة يائسة وبائسة للهروب من الحقيقة. فالحرب معروف من أشعلها؛ ليست لها علاقة لا بإسرائيل، ولا بأمريكا، ولا بهذا أو ذاك، ولا برقص الهنود الحُمر حول النار!
الحرب أشعلتها أيادٍ محليةٌ تنتمي إلى الجماعة ذاتها التي خرج منها اللصّ جبريل: جماعة الإخوان المسلمين (الكيزان) المسيطرة على الجيش، في سعيها لاستعادة سلطتها التي سقطت بعد أن أطاحت بها ثورةُ الشعب.
وكان هدفها واضحاً وضوح الدم المسفوك في شوارع السودان: العودة إلى الحكم ولو على دمار السودان كله وعلى رؤوس السودانيين وجثثهم!
منذ انقلاب الإسلاميين عام 1989، تفنّنوا في اختراع أعداء خارجيين لتبرير إخفاقاتهم الداخلية.
أشعلوا حرب الجنوب باسم “الجهاد”، ثم حرب دارفور باسم “الأمن القومي”، وعندما ثار عليهم الشعب وأسقطهم، أشعلوا هذه الحرب اللعينة انتقامًا واستعادة لسلطة لفظها التاريخ ولفظهم معها.
وها هم اليوم يعيدون الأسطوانة المشروخة ذاتها؛ قالوا أولًا إنها حرب دولةِ الإمارات، فقلنا حسناً: لماذا تحاربنا دولة الإمارات؟ قالوا: من أجل الذهب! فسألناهم: وكم يبلغ إنتاج السودان من الذهب؟ وكم تبلغ تكلفة هذه الحرب؟ فلم يُجِب أحد!
وها هم، لما لم تُؤت كذبة الإمارات أُكلها، حملوها إلى الكون بأسره، وذهبوا يتحدثون عن “الاستهداف الكوني”!
وكأن في هذا العالم مكانًا يمكن أن يُوكِل إلى عقلية بدائية بليدة ومنحطة كعقلية جبريل مهمة إدارة المال والأعمال فيه، ثم يزعم أنه مركز إدارة الكون!
ماذا جرى لهذا الكون؟
إن حرب 15 أبريل 2023 ليست حرباً كونية، ولا صلة لها بالشرق الأوسط، لا القديم ولا الجديد؛ بل هي حرب الإخوان والكيزان، حربهم القديمة بثوب جديد، يرفعون فيها راية الدين زيفاً، ويتدثرون بقداسته خداعاً، ليبلغوا بها عرش السلطة ولو على رماد الوطن.
أما جبريل، فيظل لصاً حقيراً، وكوزاً كذاباً ووضيعاً، لا يزداد مع الأيام إلا انحداراً في وحل الخسة والعار.