السودان

تقرير: هل يتشكل “محور مقاومة” إسلامي جديد من رحم الحرب السودانية؟

تقرير: SPT – ترجمة: راينو

تتواصل التدخلات الخارجية في الحرب المشتعلة في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ الخامس عشر من أبريل 2023، ما أطال أمد الصراع وزاد من عمق الكارثة الإنسانية التي خلّفتها الحرب، والتي وصفتها الأمم المتحدة بأنها الأكبر في العالم.

وتؤكد معلومات من مصادر عسكرية وأمنية سودانية مطلعة أن إيران لا تكتفي بالدعم العسكري، بل تشارك في الحرب عبر خبراء عسكريين يتبعون للحرس الثوري الإيراني، يقيمون في مدينة بورتسودان على البحر الأحمر، التي يتخذها الجيش عاصمةً لحكومته التي شكلها منتصف مايو الماضي. ويتحرّك هؤلاء الخبراء من بورتسودان إلى أمدرمان ومناطق العمليات العسكرية الأخرى، فيما يتواجد عدد منهم حاليًا في مدينة الأبيض بإقليم كردفان.

اللافت في تطورات الحرب هو ظهور اسم دولة قطر ضمن قائمة الدول المتورطة بالتدخل العسكري والداعمة للحل العسكري. وهي وإن كان معروفًا عنها دعمها السياسي والمادي الكبير للجيش السوداني الذي يتبنّى توجّه الإسلاميين وتخضع قيادته لتأثيرهم، إلا أنّها – وللمرة الأولى – يُثبت تورّط دولة قطر في تقديم دعم عسكري مباشر بالأسلحة في الحرب الحالية لصالح الجيش.

وفي الوقت الذي باتت فيه الطائرات التركية المسيّرة من طراز بيرقدار، التي تقدّمها أنقرة للجيش السوداني، تلعب في الآونة الأخيرة دورًا متصاعدًا في العمليات العسكرية، لا سيما في إقليمي كردفان ودارفور غربي البلاد، يبقى الدعم العسكري الإيراني هو الأوسع نطاقًا، إذ يشمل – إلى جانب الطائرات المسيّرة من طرازي أبابيل-3 ومهاجر-6 – الصواريخ والأسلحة والذخائر.

تركيا: دعم عسكري مباشر وتمويل خليجي:

تُعد تركيا المقر الرئيسي للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، ولا تُخفي دعمها للجيش السوداني الذي تهيمن على قيادته الحركة الإسلامية السودانية (الفرع السوداني للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين). كما تُعتبر إسطنبول مقرًا لقيادات بارزة من الإخوان السودانيين، الذين يديرون منها عمليات الدعم السياسي والإعلامي والمادي للحرب في السودان.

وبحسب مصدر عسكري مطّلع في بورتسودان، تسلّم الجيش السوداني في الفترة بين ديسمبر 2023 وأبريل 2024 أسلحة ومعدات عسكرية شملت ثماني طائرات مسيّرة من طراز بيرقدار تي بي 2 وذخائر وآلاف الرؤوس الحربية، قبل أن تُستأنف الإمدادات العسكرية مرة أخرى في مايو الماضي بعد سقوط عدد من المسيّرات بواسطة دفاعات قوات الدعم السريع – وفق ما أكّده المصدر.

وأضاف المصدر:
“منذ مايو الماضي وحتى اليوم، استقبلت بورتسودان معدات عسكرية تركية ضخمة شملت ذخائر ورادارات، إضافة إلى ست مسيّرات من طراز بيرقدار آقنجي، وتمت الصفقة بتمويل من دولة خليجية”.
وامتنع المصدر عن ذكر اسم تلك الدولة.

وتسببت مسيّرات بيرقدار التركية في كوارث إنسانية كبيرة وارتفاع مهول في عدد القتلى والجرحى وسط المدنيين، إذ يستخدمها الجيش السوداني كثيراً في استهداف المدن في دارفور، وكان آخرها قبل يومين حين استهدفت مسيّرة بيرقدار أسواقًا يرتادها المواطنون في منطقتي الزُرق وسرف عمرة بولاية شمال دارفور، ما أسفر عن سقوط عشرات القتلى والجرحى، بحسب شهادات عدد من أبناء المنطقتين تحدثوا لـ SPT .

إيران: السلاح والخبراء والطموحات الاستراتيجية:

تقدّم إيران دعمًا عسكريًا علنيًا للجيش السوداني يشمل مختلف أنواع الأسلحة الثقيلة والخفيفة، والصواريخ المضادة للدروع، والطائرات المسيّرة، فضلًا عن التدريب، وتقديم المعلومات الاستخباراتية، وإنشاء المطارات.

وتستغل طهران حالة السيولة الأمنية وعدم الاستقرار التي خلّفتها الحرب لتوسيع نفوذها في السودان، خصوصًا في البحر الأحمر الذي يمتد الساحل السوداني عليه لنحو 853 كيلومترًا.

يوم الأحد 19 أكتوبر، وصلت إلى السودان شحنة أسلحة إيرانية عبر طائرة تابعة لشركة فارس إير قشم، وهي شركة طيران مملوكة للحرس الثوري الإيراني.

والحرس الثوري، قوات شبه عسكرية تابعة للنظام الديني الحاكم في إيران، وهي قوات عابر للحدود، تقود نفوذ طهران الإقليمي من خلال تدريب وتسليح حلفائه في المنطقة، بما في ذلك حركة حماس وحزب الله والحوثيين والميليشيات العراقية.

ووفقًا لمصدر أمني سوداني تحدّث لـ SPT من مدينة عطبرة بولاية نهر النيل شمال السودان، هبطت الطائرة الإيرانية في مطار بورتسودان قبل الظهر، وهي من نوع بوينغ 747، وتحمل رمز التسجيل EP-FAB، قادمة من طهران.

وسبق أن استخدمت إيران الطائرة نفسها مرات عدّة العام الماضي لنقل شحنات أسلحة من طهران وبندر عباس إلى السودان.

ووفق بيانات موقع “فلايت رادار 24”، أقلعت الطائرة من طهران متجهة إلى جهة غير محددة بشرق إفريقيا، وهو ما يتوافق مع نهج الطائرات التابعة للحرس الثوري التي تتعمّد إخفاء تحركاتها.

وأكد موظف يعمل في مطار بورتسودان لـ SPT أن الطائرة هبطت بالفعل في المطار أمس.

وأوضح المصدر الأمني أن الشحنة ضمّت أجهزة ومعدات عسكرية متنوعة وطائرات مسيّرة، وأضاف أن الحمولة تضمنت قنابل ذكية من طراز (قائم) كانت قد طلبتها كتيبة البراء بن مالك من إيران في وقت سابق.

وقال الخبير والمحلل العسكري عوض عبد الرحيم لـ SPT:
“البحر الأحمر أصبح محورًا أساسيًا في استراتيجية طهران، لربط حلفائها الحوثيين ببورتسودان وتوسيع ما يسمى بجبهة المقاومة الجديدة التي تسعى لتأسيسها على البحر الأحمر”.

وأضاف الخبير:
“لدى إيران هدفان رئيسيان: الأول الحصول على حصة من احتياطيات اليورانيوم في السودان لتعزيز برنامجها النووي العسكري، وهي الآن في مرحلة الاستكشاف في مرتفعات البحر الأحمر، والثاني ربط السودان بمحور المقاومة.

قطر: من الدعم غير المباشر إلى التورط العسكري:

لطالما عُرفت دولة قطر بدعمها ورعايتها للحركات الإسلامية الراديكالية الممتدة من كابول إلى غزة وبورتسودان حتى الساحل الإفريقي، لكنها لم تتورط بشكل مباشر في الصراع السوداني من قبل، إذ اقتصرت أدوارها خلال فترة الحرب على الدعم المادي والسياسي والإعلامي للحركة الإسلامية السودانية، واحتضان خلاياها التي تدعم الحرب. إلا أن الشهر الماضي شهد تحولًا نوعيًا في هذا الدور.

في 7 أكتوبر الماضي، نفّذ الجيش السوداني عملية إسقاط جوي عسكري لدعم الفرقة السادسة مشاة بمدينة الفاشر بولاية شمال دارفور، المحاصرة من قوات الدعم السريع منذ أكثر من عام، غير أن العملية فشلت وسقطت الأسلحة بيد قوات الدعم السريع.

وتُظهر صور وطرود ووثائق اطّلعت عليها SPT، وأكّدها مراسلها في نيالا، وجود كمّ كبير من الأسلحة والذخائر والطائرات المسيّرة الانتحارية الصغيرة مصدرها قطر والصين وإيران، إلى جانب ذخائر مدافع هاون 81/82 مصدرها مصنع في جمهورية صربيا، يُعتقد أنه قد تم استيرادها عبر جيش طرف ثالث، إضافة إلى أدوية مصرية الصنع.

وفي صورة لأسلحة صينية المنشأ، تُظهر الديباجة أن الأسلحة تم استيرادها عبر الدوحة لصالح شركة سهيل المتكاملة للتجارة، وتشير إلى أن مقرها في منطقة الغرافة بالعاصمة القطرية، الدوحة، وعنوانها في شارع 787، مكتب رقم 28، الطابق الثاني، مبنى رقم 55، باسم محمد المونتا.

وقال خبير أمني لـ SPT إن الاسم والعنوان يحملان مؤشرات على وجود تضليل في المعلومات، مرجّحًا وجود محاولة لإخفاء اسم الجهة القطرية التي استوردت وأرسلت شحنة الأسلحة.

كما كشف مصدر إعلامي مقرّب من الإسلاميين مقيم في دولة قطر لـ SPT أن الدوحة تقدّم دعمًا كبيرًا للإسلاميين في السودان سياسيًا وعسكريًا وماديًا وإعلاميًا، مشيرًا إلى أن علي كرتي، الأمين العام للحركة الإسلامية وأحد أبرز مديري الحرب، يتنقّل بين السودان وقطر.

– تكشف المعلومات المتواترة من ميادين القتال عن تشابك إقليمي خطير في الحرب السودانية، مع دخول أطراف إقليمية ودولية على خط الصراع بصورة مباشرة، ما يُنذر بتحوّل الحرب من نزاع داخلي إلى صراع مفتوح بالوكالة على أرض السودان، في وقتٍ تتفاقم فيه الكارثة الإنسانية التي باتت توصف بأنها الأسوأ عالميًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار