السودان

منعم سليمان يكتب: اعترافات وزير قادم من جمهورية العبث

بقلم: منعم سليمان

في مسرح البرهان الهزلي الذي نُصبت خشبته في بورتسودان، لم يعد الستار يخفي شيئاً من القبح: حكومة مبتذلة، عبارة عن دميةٍ خشبية يحركها عسكر من أمام المسرح وكيزان من خلف الكواليس، بينما يقف على الصف وزراء لا يملكون من القرار سوى صدى التصريحات.

شاهدتُ أمس حوار “علي يوسف”، وزير خارجية سلطة بورتسودان السابق، على قناة الجزيرة، تحدث فيه الرجل وكشف الغطاء في لحظة صدقٍ عابرة عن سلطة تدّعي المدنية وهي غارقة حتى أذنيها في الطاعة الكيزانية/العسكرية.

قال الرجل بأنه “واجه صعوبة كبيرة في إدارة العمل الخارجي بالطريقة التي يفهمها”، وهي عبارة تفضح مأساة ما سُمي بـ “الحكومة المدنية” الديكورية في بورتسودان، تلك التي وُلدت مشلولةً وماتت قبل أن تنطق بكلمةٍ واحدة خارج إرادة العسكر/الكيزان.

وحين تصبح وزارة الخارجية مجرد قاعة انتظارٍ لتعليمات علي عثمان وعلي كرتي وعسكرهم، يصبح الوزير خفيرًا، والسفراء سُعاةً يحملون أوامر لا مواقف، ويصبح الخطاب الدبلوماسي صدىً أجوفَ لأوامر العسكر وصوت التنظيم، لا صوت الشعب والوطن.

ما قاله “علي يوسف”، في لحظة إفاقة متأخرة، ليس كشفاً جديداً ، بل تأكيد على حقيقة يعرفها الجميع: أن البرهان وجيشه وسلطته ليسوا سوى واجهة هشّة للتغطية على سطوة الحركة الإسلامية التي استباحت السودان باسم “الإنقاذ” أولًا ثم “السيادة” لاحقًا. فمنذ انقلاب 25 أكتوبر المشؤوم، جرى تفريغ الوزارات من مضمونها وتحويلها إلى رشوة وأوكار للمرتزقة والسماسرة والانتهازيين المتعطلين.

أما الوزير، وباعترافه، لم يكن سوى ترسٍ صغيرٍ في آلة كبيرة. طلّته الباهتة وصوته الخفيض لا يحملان ضعفًا في شخصيته فحسب، بل يكشفان عن قدراتٍ شخصية متواضعة وضعفٍ دبلوماسيٍّ فادحٍ تمثل في ارتباكه وضعف حجته، وعجزه عن مواجهة المنظومة التي ابتلعته قبل أن يفهم طبيعتها، فأُطيح به دون أن ينال شرف الموقف والاستقالة.

كان يتحدث في الحوار بنغمة باهتة، تخلو من حرارة الموقف، كأنما يتوسل الاعتراف بعد الإقالة. ومع ذلك، يُحمد له أنه غادر المشهد – ولو غصبًا عنه – تاركًا خلفه مقعدًا لن يملأه غير الفراغ، وناجيًا بنفسه من الغرق في مستنقعٍ لا قرار له.

إن ما سمّاه “صعوبة في إدارة العمل الخارجي” ليس سوى وصفاً مخاتلاً وضعيفاً لسقوطٍ شاملٍ وكامل. فاليوم، مع حكومة البرهان الجديدة برئاسة السيد كميل إدريس، يتكرر المشهد على نحوٍ أكثر فجاجة: وزراء بلا إرادة، وقرارات تُطبخ في الغرف المظلمة، و(حفيان)، هو خال البرهان، وظيفته الرسمية هي البيولوجية، يرتدي الملابس المزركشة ليمثل – حقيقة لا مجازاً – دور الأرجوز في مسرح العبث البرهاني!

لقد تحولت السلطة في بورتسودان إلى مسرحية عبثية مملة، لا يسمع فيها الشعب سوى صدى الخداع. وكل يوم يستمر فيه هذا الوضع الممسوخ، تتسع هوة العزلة وتضيع هيبة السودان في المحافل الدولية.

ولا سبيل إلى استعادة الوطن والدولة، كما استعادة هيبتنا وكرامتنا بين الأمم، إلا باعترافٍ واضحٍ وصريحٍ من البرهان بفشله وفشل انقلابه وكيزانه، وإقراره باستحالة حكمه للسودان، برافعة كيزانية أو بغيرها.

والأهم إقراره بأن حلم والده القديم، عندما رآه وهو في زغب طفولته حاكماً على السودان، كان كابوساً وأضغاث أحلامٍ، ولم تكن رؤيا. وقد جاء في الأثر أن الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار