السودان

تمديد ولاية بعثة تقصّي الحقائق في السودان: المساءلة الجنائية في مواجهة الإفلات من العقاب

جنيف: راينو

في أروقة مجلس حقوق الإنسان بجنيف، لم يكن قرار تمديد ولاية بعثة تقصّي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان مجرّد إجراء أممي روتيني، بل صفعة معنوية طالت وجوهاً ظنّت طويلاً أن الذاكرة يمكن أن تُمحى بالضجيج، وأن الدم يمكن أن يُغسل بالبيانات. ومع صدور القرار مساء الاثنين، تصاعدت أصوات الغضب في معسكرات الفلول، وتوالت عبارات الرفض والاتهام، وكأن المساءلة نفسها جريمة، وكأن العدالة طارئة على قاموسهم القديم.

القرار، الذي قادته المملكة المتحدة وألمانيا وأيرلندا وهولندا والنرويج، جاء ليضع خطوطاً أكثر وضوحاً في سجلّ الفظائع التي ارتُكبت على امتداد عامين من الحرب. فقد أدان المجلس الانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي في السودان، بما في ذلك القتل الممنهج والتعذيب والعنف الجنسي، وصولاً إلى الاستعباد والاختفاء القسري، والتهجير القسري، وقصف الأحياء السكنية، واستخدام التجويع كسلاح حرب، وتدمير المستشفيات والمدارس والبنى المدنية في انتهاك سافر لكل الأعراف.

ردود فعل غاضبة:

وما إن أُعلن القرار حتى ارتفعت نبرة الاحتجاج في بورتسودان، حيث ما تزال السلطة تتعامل مع العالم بمنطق الإنكار. فالهجوم لم يكن موقفاً سياسياً عابراً، بل رد فعل غريزي من بقايا منظومةٍ تخشى أن تمتد يد العدالة إلى عتباتها.

تقول الناشطة الحقوقية أماني إدريس لـ”راينو”:”السبب الحقيقي وراء هذه الحملة الشرسة هو أن القرار الأممي جاء متزامناً مع مقترحات لتوسيع ولاية المحكمة الجنائية الدولية لتشمل كامل الأراضي السودانية، وهو ما يخيف فلول النظام المباد الذين بدأوا يشعرون بأن دوائر المساءلة تضيق حولهم.”

وتضيف: “تزامن التمديد مع إدانة علي كوشيب أمام المحكمة الجنائية وربط ملفه بجرائم أحمد هارون أعاد فتح جروح الذاكرة القديمة. هذا التوازي بين الماضي والحاضر جعل قرار التمديد أشبه بجرس إنذار لمن يعتقدون أن الحرب الحالية يمكن أن تكون غطاءً جديداً للإفلات من العقاب. فالآلية الأممية التي نُدّدت اليوم هي ذاتها التي يمكن أن توصي بإحالة الملف إلى مجلس الأمن ثم إلى المحكمة الجنائية، تماماً كما حدث في دارفور قبل عقدين.”

الولاية والصلاحيات:

ويرى المحلل السياسي إيهاب الحسن إن جوهر القرار الأممي لا يكمن في توسيع التفويض بقدر ما يتمثل في تثبيت الولاية وتعميقها. فالتمديد، كما يقول، “إقرار أممي بأن الأزمة في السودان لم تُطوَ بعد، وأن العدالة ما تزال مؤجلة في طوابير الانتظار.” ويضيف: “البعثة لا تمتلك أدوات تنفيذية، لكنها تمتلك ما هو أهم: الذاكرة، والأدلة، والشهادة. فهي الحافظة الأممية الوحيدة لما جرى في زمن الانهيار، واستمرارها هو الضمانة لئلا تضيع الحقيقة وسط ركام الحرب.”

ويؤكد الحسن أن قرار التمديد يهدف إلى استمرار جمع الأدلة وحفظها في ظلّ الانهيار الشامل لمؤسسات العدالة المحلية. كما يتيح للبعثة مواصلة تصنيف الأفعال المرتكبة وتحديد ما إذا كانت ترقى إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، مشيراً إلى أن “تململ الحكومة في بورتسودان وردّة فعل الفلول أمر طبيعي، فالتدقيق الدولي بدأ يضيّق عليهم الخناق من جديد.”

أداء تحت النار ولا بديل:

ورغم الانتقادات الموجهة لبطء عمل البعثة أو محدودية تقاريرها، يتفق الخبراء على أن التقييم المنصف لا بد أن يراعي الظروف القاهرة التي تعمل ضمنها. فالواقع الميداني يمنعها من الوصول المباشر إلى مناطق النزاع، ما اضطرها للاعتماد على شهادات اللاجئين والنازحين في دول الجوار، وصور الأقمار الصناعية، وتقارير المنظمات المحلية المستقلة. يقول الحسن: “القصور في الأداء ليس ضعفاً في الكفاءة، بل نتيجة لواقع خانق يجعل التحقيق الميداني شبه مستحيل.”

أما الناشطة أماني إدريس فتتساءل: “من يرفض وجود البعثة أو يشكك في دورها، عليه أولاً أن يجيب: ما البديل؟ لا توجد آلية وطنية مستقلة لتوثيق الجرائم في ظلّ الحرب وانهيار القضاء، والبعثة تبقى الخيار الأخير لضمان ألّا تُمحى الأدلة وألا تضيع دماء الأبرياء في صمت.”

ورأت أن الشرعية التي تمنحها الأمم المتحدة لتقارير البعثة تجعلها المرجعية الوحيدة القادرة على تحريك الرأي العام الدولي واستنهاض إرادة العدالة، بخلاف التقارير المحلية التي يسهل تهميشها تحت سلطة السلاح.

القرار بين الأمل والريبة:

يحمل قرار التمديد مزيجاً من الأمل والريبة، هكذا يرى البعض، فالأمل لأن العالم لم يغلق الملف بعد، ولأنّ أصوات الضحايا ما زالت تجد من يسمعها. والريبة لأن استمرار الحرب وتفاقم الانتهاكات قد يحوّلان التمديد إلى مجرّد ورقةٍ جديدة في أرشيفٍ مزدحم، ما لم تترافق الخطوات مع إرادة دولية صلبة. أصحاب تلك الرؤى يذهبون إلى أنه يظل التمديد تثبيتاً لذاكرة لا تريد أن تُنسى، وتذكيراً بأن العدالة قد تتأخر، لكنها لا تموت.

فبينما يثور الفلول خوفاً من عودة الوجوه القديمة إلى قفص الاتهام كالمطلوبين للجنائية الدولية، أو أولئك الفارين من السجون عقب إندلاع الحرب، يقرأ الناجون القرار بوصفه بصيص ضوء في نفقٍ طويلٍ من العتمة، خطوة جديدة في مسيرة مضنية ضد الإفلات من العقاب، حيث لا تزال الحقيقة تطرق الأبواب التي أُغلقت دونها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار