السودان

تصنيف الإسلاميين كجماعة إرهابية: كيف تهيّئ واشنطن الملعب السياسي السوداني؟

تقرير: راينو

المشهد السوداني المتفجّر منذ اندلاع الحرب (أبريل 2023) أصبح مفصلاً لسياسات إقليمية ودولية، وخصوصاً لاهتمام واشنطن بأمن منطقة القرن الأفريقي وامتدادات نفوذ الجهات الفاعلة الإقليمية. في هذا السياق تتصاعد أسئلة حول ما إذا كانت الولايات المتحدة تُمهّد عمليًا لتصنيف تحالفات أو تنظيمات إسلامية سودانية أو فروع لجماعات أوسع، مثل جماعة الإخوان، كجماعات «إرهابية» بعد أن اتُّهمت — بحسب البعض — بالتسبب في إشعال حرب السودان.

الجواب لا يختصر في «نعم» أو «لا» بحسب المهتمين؛ بل هو مسار متعدد الطبقات من إجراءات قانونية ومالية وسياسية ودبلوماسية، له أبعاد موضوعية وتأثيرات مترابطة على السودان والفاعلين الإقليميين وردود فعل الإسلاميين أنفسهم حيال الخطوة.

تحرك واشنطن.. ما الذي جرى حتى الآن؟

في خطوات تبدو مدروسة، استبق لقاء المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي مسعد بولس لقاءه بقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في سويسرا تصريحات لوزير الخارجية الأمريكي كشف فيها عن اتجاه بلاده لتصنيف الحركة الإسلامية كجماعة إرهابية في السودان. وقد فُسِّر ذلك باعتباره رسالة إنذار، خصوصًا إذا ما قرئ في سياق ترتيب اللقاء نفسه، حيث تم التواصل هاتفياً مع البرهان من مكتب وزير الخارجية التركي وبحضور السفير الأمريكي، ما يعني أن ثمة لقاءات مسبقة مع تيار الإسلاميين السودانيين في تركيا بدأت قبل اتخاذ الخطوة وإجراء المكالمة، والمعلوم أن تركيا تحتضن تيار عريض من الإسلاميين السودانيين وقيادات نظامهم وبرؤوس أموالهم.

ثاني الخطوات التي اتخذتها واشنطن في اتجاهها التصعيدي تجاه الإسلاميين في السودان هو إعلان عقوبات طالت أفرادًا وانتهت بوزير مالية وحركة العدل والمساواة جبريل إبراهيم وكتائب ما يعرف بميلشيا «البراء»، أحد الأجنحة العسكرية التي تُستخدمها الحركة الإسلامية في الحرب ولارتكاب انتهاكات ضد الناشطين والمدنيين بتهم التعاون مع قوات الدعم السريع، وتوظيفها للقتل خارج نطاق القانون.

كيف غيّرت دول الجوار المعادلة؟

في السياق الإقليمي وبلا مقدمات، أعلنت كينيا — إحدى الدول الحليفة لواشنطن من جهة والدول الموثوقة بالنسبة لقوات الدعم السريع — إدراج جماعة الإخوان المسلمين وحزب التحرير ضمن قائمة المنظمات الإرهابية، وذلك بموجب إشعار قانوني صدر في الجريدة الرسمية بتاريخ 19 سبتمبر الجاري. وهو ما يُعد من أبرز الإجراءات التي اتخذتها السلطات الكينية في إطار التصدي للأنشطة المتطرفة داخل البلاد. ورغم أن الإجراء يخص الدولة الكينية، إلا أنه لا ينفصل عن السياق العام ويعكس المزاج السائد لدى بعض دول المنطقة، مما يمهّد لمدى الاستجابة التي يمكن أن يحظى بها ذات القرار حال تم اتخاذه في واشنطن تجاه الإسلاميين السودانيين.

لماذا التأخير؟

بحسب المحلل السياسي إيهاب محمد الحسن في حديثه لـ«راينو»، فإن الطبيعة المؤسسية لدول العالم الأول تسهم بشكل أو آخر في تأخر صدور القرارات، ولكنها حينما تصدر فإنها تمثل هذه المؤسسات ويتم تنفيذها عبر كافة أذرع الدولة المعنية. وقال: فكرة تصنيف جماعة الإخوان منظمة إرهابية ليست جديدة في أوساط بعض أعضاء الكونغرس؛ بل هناك مبادرات قانونية متكررة وموجات ضغط برلماني من نواب وسناتورات ومجموعات ضغط تطالب بإدراج الإخوان في قوائم الإرهاب أو وضع أطر قانونية لحرمانها من شبكة أعمالها في الخارج.

يرى الحسن أنه حتى عندما يضغط الكونغرس أو مجموعات الضغط، فإن تصنيف «جماعة إرهابية أجنبية» يتم عبر آليات معقّدة كالخارجية، الأمن القومي، والاعتبارات الاستخباراتية، وهو قرار ذو تبعات استراتيجية وقانونية كبيرة. وأضاف: الإدارة التنفيذية تحسب حسابات دبلوماسية واستراتيجية قبل المضيّ في قرار مماثل، لأن عبارة «الإخوان» يضم طيفًا واسعًا من التنظيمات المحلية والإقليمية ذات أوضاع مختلفة.

وبحسب منصة Program on Extremism (برنامج التطرف) التابع لجامعة جورج واشنطن، فإن هذا الجهد يلقى صدى لدى بعض الدوائر، لكنه يواجه اعتراضات قانونية ودبلوماسية وقراءة معقّدة لطبيعة «الإخوان» كشبكة حركة وسياسات متنوعة تختلف من بلد إلى آخر، خصوصًا في ظل توقعات ردود فعل تلك الشبكات.

ويذهب الحسن إلى أن واشنطن لا تركز فقط على الحركات الإسلامية، بل تنظر أيضًا إلى علاقاتها ومن المستفيد من نفوذ هذه الحركات، ومن ثم تعمل على تحجيم ذلك النفوذ؛ فتقوم بتقليص نفوذ دول أو قوى إقليمية ترى في الإسلاميين مدخلا ونفوذا يتيح لها تمرير مصالحها، فتوجّه الضربات المالية والتشريعات لقطع هذه القنوات.

من الخسائر إلى الانقسامات:

من جانبه يرى المحلل السياسي وائل محجوب أن تصنيف الحركة الإسلامية كجماعة إرهابية يعني تجميد أصولها، وحظر تعاون المؤسسات المالية معها، ومعاقبة من يتعاملون تجارياً أو مالياً معها عبر نظام العقوبات الأميركي. وقال: «هذا يضرب قدرة تلك الشبكات على البقاء كمكوّن سياسي واجتماعي فاعل». وأضاف في حديثه لـ«راينو»: تصنيف الإسلاميين كجماعة إرهابية يعني استثناء هذه التنظيمات نهائيًا من المسارات السياسية الرسمية (مفاوضات انتقالية، حكومات انتقالية، برامج إعادة إدماج)، ما يغيّر خريطة الخيارات الوطنية ويقوض أي استراتيجية شاملة لإعادة دمج كل الأطياف. لكن هذا العزل قد يُفضي إلى تفاقم الاستقطاب أو دفع بعض الفاعلين إلى العمل خارج القانون.

وحذر محجوب من ردود فعل عنيفة ومخاطر تصعيد، مشيراً إلى أن التصنيف قد يحفز مجموعات متطرفة داخليًا على «الردّ» أو إعادة التبنّي العنيف للخطاب، ما يعني مخاطر تزايد العنف وموجات انتقامية.

ما الذي يعنيه التصنيف عملياً؟

يذهب وائل إلى أن الأهمية في هذا الأمر تكمن في التبعات، وقال: فإذا تم تصنيف المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية كمنظمات إرهابية، فهذا يعني تجميد كافة مصادر أموالها، وحجب وصولها داخلياً وإقليمياً، بالإضافة إلى فرض عقوبات على قادتها قد تصل إلى مرحلة الملاحقات الدولية، أي أنها لن تكون جزءاً معترفاً به على مستوى العالم، وستفقد شرعيتها.

وتابع: هذا بدوره يعني أن تحالفها مع الجيش أو مع القوى العسكرية النظامية في طريقه للتفكك، خاصة إذا أرادت الدولة أن تلعب دورًا مستقلًا وتبني صلات مع العالم الخارجي؛ فهي تعتمد على هذا العالم ليس فقط في التسليح، بل أيضاً في التدريب والعلاقات المتبادلة مع المؤسسات النظيرة، وهو دور سيتفكك إذا ما تم التصنيف من قبل المنظمات الإقليمية مثل الاتحاد الأفريقي أو حتى بعض الدول العربية. وأضاف: في حال لم تُنهِ الدول العربية علاقاتها بالمؤسسات المصنفة إرهابية، فإنها ستواجه ضغوطاً دولية، ما يضع هذه المؤسسات في عزلة أكبر على المستوى الإقليمي والعالمي.

ردود فعل متوقعة من الداخل:

توقع محجوب ألا يستسلم الإسلاميون لهذا التوجه، بل سيقاومونه، وأضاف: «هذا قد يدفع الحركة الإسلامية إلى المزيد من التطرف والتشدد، وربما الاحتماء أكثر بالسلطة، الأمر الذي يعرض البلاد لعقوبات أكبر وأشد. وفي حال لم يتم التصدي لها من المؤسسات المعنية، فإن ذلك سيضيف مزيداً من التعقيدات على المشهد الداخلي، وقد يدفع الحركة الإسلامية إلى استنفار كل قوتها العسكرية بشكل مباشر».

خارطة التحركات الأمريكية:

من جانبه يرى المحلل السياسي عمر سفيان سالم في حديثه لـ«راينو» أن واشنطن تعمل وفق خطوات استراتيجية تتيح لها اتخاذ إجراءات محسوبة، أولاً عبر استمرار خطوات تجزئية، كفرض عقوبات على أفراد وكتائب، تكثيف الضغط الدبلوماسي، وفرض قيود مالية. وأضاف أن هذا المسار يترك الباب مفتوحًا للسياسة والاضطرابات، لكنه لا يذهب إلى تصنيف شامل فوري للإخوان؛ وهو ما نشهده حالياً منذ بداية الحرب في السودان. في المقابل، هناك سياسة رسمية للتصنيف حين تستند إلى أدلة تعاون أو تمويل مع مجموعات مصنفة بالفعل، مثل «حماس» مثلاً، وعندها يُسرِّع ذلك العزلة ويقوّي الجهود الدولية لتجفيف منابع التمويل، لكنه يحمل مخاطرة تفجير ردود عنيفة داخل السودان وخارجه.

وتابع سالم: هناك أيضا طريق دبلوماسي سياسي يخلط بين الضغوط المالية والآليات الدبلوماسية مع برامج دعم مؤسسات مدنية وحوار سياسي، سعيًا لتقليص نفوذ القوى المتشددة دون فتح جبهة تصنيف شاملة تقود إلى مزيد من التفتت. هذا السيناريو يتطلب تمويلاً دولياً ومقاربة شاملة مع الشركاء الإقليميين. وقال: «حاليًا هذا ما يحدث في المشهد السوداني مع رفع عصا التصنيف الرسمي».

في السياق، يرى القيادي بحزب الأمة القومي عبد الجليل الباشا في حديثه لـ«راينو» أن الحركة الإسلامية تواجه تحدياً وجودياً يتمثل في إما إبعادها من الساحة السياسية أو تصنيفها كتنظيم إرهابي، إذا لم تتمكن من التكيف مع المجتمع المحلي والدولي. وقال: «المطلوب منها اليوم أن تراجع تجربتها بجدية، وأن تنخرط في مسار قبول الآخر، وتنتقد أخطائها التاريخية كافة، حتى تستطيع أن تعيد تموضع نفسها بشكل جديد يتناسب مع السياق الراهن، بما يضمن لها البقاء والمشاركة في المستقبل».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار