الخرطوم اليوم ليست مدينة، بل كمين بشري واسع، تنصبه آلة دعاية العسكر الكيزانية، فتسوّقه كعاصمة نظيفة تتأهب لاحتضان أبنائها، فيما هي في حقيقتها لم تعد تصلح حتى قرية نائية منبوذة!
غير أنّ القادم لا يلقى بساطاً أحمر، بل يُداس على أرض مفروشة بالضنك: ضنك العيش والحمى. يتنفس هواءً محمّلاً بالكيماوي، وتترصده أسراب البعوض، ويطوقه لصوص الليل من العسكر المسلحين على إيقاع متواصل من الرصاص والمقذوفات.
العسكر وكيزانهم الذين يروّجون للعودة يكررون جريمتهم مرتين: مرةً حين أشعلوا الحرب ثم هربوا منها وتخلّوا عن المواطن وتركوه يواجه مصيره وحيدًا، ومرةً حين يدعونه إلى العودة أسيرًا بين أنياب السلاح الكيماوي وبنادق الجنود التي لا تُحسن غير قتل الأبرياء العُزّل.
إنهم يبيعون المواطنين المساكين حلماً مسموماً، ويستدعونهم إلى الموت بأوهام النصر ودغدغة أغنية الحنين الزائفة!
والحقيقة أن الخرطوم قد غدت مختبراً مفتوحاً للأوبئة: حمى الضنك، الملاريا، الذباب والبعوض، وأمراض غامضة يتفق الجميع على أنها من تركة الكيماوي! ومع حلول الليل، يغدو المواطن حبيس بيته الخاوي، يختبئ في الظلام كما تختبئ القطط من كلاب ضارية؛ فالليل قد حوّله اللصوص من جنود الجيش والمليشيات إلى وحش يطارد الجميع.
المشهد برمته لا يحتاج إلى تعليق بقدر ما يحتاج إلى شجاعة رجال أثبتت تجربة الحرب أنهم لا يملكونها – وأعني هنا شجاعة الثبات والرجولة، حتى في معناها البيولوجي المبتذل – وهذا لمن أصغى إلى ألفاظ الفريق ياسر العطا بالأمس!
أصبحت الخرطوم لوحة كاريكاتورية فاجعة؛ مواطن يغادر ملجأه عائداً تحت تأثير الدعاية الحربية المضللة وهو يمني نفسه بالاستقرار، يصل الخرطوم فيسقط ميتاً بالمرض المفاجئ أو تقتله رصاصة طائشة، فإن نجا من كل ذلك، تكبّله الأوبئة حتى تنهش جسده. وفي النهاية يجد نفسه محاصَراً بعدما يُغلق في وجهه طريق العودة، فيُختم في جواز سفره: مواطن قُتل مرتين!
لم تعد الخرطوم وطناً، بل مقبرة معلّقة في الهواء، ومكبّاً مفتوحاً للأحلام المحطّمة والموت المنتظر. والدعوة إلى العودة إليها لا تختلف عن دعوة الناس إلى حضور حفل عُرس في المقابر؛ حيث كل شيء موحش وحزين.
وبالطبع، فإن من يرفعون شعار العودة هم الكيزان، المتعجلون إلى السلطة التي من أجلها أشعلوا الحرب؛ فكما عادوا بالأمس إلى المشهد فوق رؤوس الأبرياء، يريدون اليوم أن يمارسوا الحكم مجدداً فوق جثثهم!
إنه مسار الثورة الذي قال البرهان عند انقلابه إنه يريد تصحيحه، فدمّر السودان وأتى بالكيزان ليشيّدوا له دولة تقوم على ركام الإنسان – يا لبؤسه وبؤسهم.