منذ الخامس عشر من أبريل 2023، تكشفت الحقيقة المرة التي حاول قادة الجيش، المتشبعون بأوهام الأيديولوجيا، إخفاءها عن شعب السودان.
جيشٌ كان يفترض أن يكون حصن البلاد وسياجها، تحول إلى واجهة خاوية يُدار من خلفها مشروع كيزاني لا علاقة له بالسيادة ولا بالوطن.
قادة يزعمون الوطنية في خطابهم، بينما هم في حقيقتهم خونة؛ يسلمون أرض السودان لقوات أجنبية ومرتزقة، ينهشون خيرات البلاد ويذلون إنسانها، في صمت يُفضح أكثر مما يستر.
في قلب الجزيرة، حيث الأرض الخضراء والزرع الذي كان يوماً عماد السودان وعموده الفقري، استقر آلاف من مرتزقة جبهة تحرير تيقراي الإثيوبية. لم يأتوا ضيوفاً، بل غزاةً بأعين متعجرفة وسلوك متغطرس.
كانوا أول الداخلين بعد انسحاب قوات الدعم السريع من مدينة مدني، سبقوا حتى الجيش الذي يزعم الدفاع عن الأرض والعرض. ومنذ لحظة وطأت أقدامهم المدينة، صاروا سلطة فوق كل سلطة، يفرضون على المواطنين واقعاً من القهر والإذلال.
إن ما يعيشه أهل مدني اليوم ليس مجرد وجود عسكري غريب، بل استعمار مكتمل الأركان. خمسة آلاف مرتزق إثيوبي من التقراي موزعون بين مجمعات التعليم والسكن، حوّلوا حياة الناس إلى جحيم يومي: إهانات، ضرب، إذلال، واستباحة للشرف والكرامة، وكل ذلك تحت أنظار قادة الجيش الذين يتفننون في خطب الوطنية الرنانة بينما يقفون عاجزين أمام الفعل الحقيقي!
ولم يقف الأمر عند حدود البشر، بل تعدى إلى الشجر، إلى روح الجزيرة نفسها. فهؤلاء المرتزقة قطعوا الأشجار بلا رحمة، يحولونها إلى فحم يتاجرون به في الأسواق، بينما يختنق أهل الجزيرة بالفراغ الأخضر الذي يتلاشى.
ما كان يوماً أرضاً وارفة الظلال، صار مهدداً بأن يغدو قاعاً صفصفاً، والسبب: تقاعس جيش ديوث ارتضى أن يذل شعبه ويستدعي الغرباء إلى ديارهم، ويرى أرض وطنه تُجرد من جمالها ومن مقومات حياتها، دون أن يحرك ساكناً!
إنها مأساة وطن بلا سيادة، قادته تخلوا عن واجبهم الأخلاقي قبل العسكري، فتحولوا إلى أبواق جوفاء لا صدى لها سوى العار. يرفعون شعارات الوطنية، بينما يُستباح السودان بفعل خيانتهم قطعة قطعة، وشعبه يهان على أيدي غرباء.
وما بين جبن وخيانة القيادة وصمتها، وضياع الأرض والثروة، يسقط السودان رهينة بين فكي مشاريع خارجية لا تعرف له قيمة ولا لإنسانه وزناً.
البلاد اليوم تنزف سيادة قبل أن تنزف دماء، وما لم تتوقف هذه الحرب ويتأسس جيش قومي وطني بعقيدة وطنية خالصة بعيداً عن الكيزان، فسيظل السودان وطناً مصلوباً على أعتاب الجبن والخيانة، بلا جيش، بلا كرامة، وبلا سيادة.