السودان

منعم سليمان يكتب: الدولة المدنية .. لا دولة الشريعة

بقلم: منعم سليمان

لم تبقَ ورقة توت تستر عورة هذه الحرب حتى سقطت. ولا كذبة إلا تهاوت. واختفى سؤال: من أشعلها؟ إذ تكفّل الكيزان أنفسهم بفضح سرّهم والتباهي بجريمتهم.

كل شيء في السودان تهاوى كفضيحة، وسقطت أسطورة “حرب الكرامة”، وتهاوت سردياتها الواهية، فإذا بها ليست سوى حرب اللصوص والدواعش، وشريعتهم الدموية المزوّرة، وإعادة الفساد والهوس الديني إلى سدّة الحكم، واغتيال المحور الأبهى من ثورة ديسمبر المجيدة.

أمس، خرج علينا الداعشي محمد الأمين إسماعيل، أحد شيوخ الحركة الإسلامية، في خطبة مهووسة، يعلن بلا وجل: “لا عذر في تأخير دولة الشريعة بعد أن زالت العقبات.” والعقبات التي قصدها ليست سوى الحكومة المدنية التي أطاح بها انقلابهم في أكتوبر، ثم حربهم التي حطمت البلاد وفتحت الأبواب لعودتهم. ولم يكتفِ بذلك، بل دعا صراحةً إلى قتل القوى المدنية الديمقراطية، معتبرًا ذلك “ثمرة الحرب”. أي إن الانقلاب أزال عقبة الحكم المدني، والحرب مهمتها إزالة المدنيين جميعاً. مستشهدًا بالآية: (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ).

أي دين هذا الذي يجعل الدم وقودًا؟ وأي دين هذا الذي يحوّل الخراب طريقًا إلى الجنة؟ ويجعل كلام الله رخصة للقتل؟ لقد قتلوا شعب السودان. بدّدوا أحلامه. شرّدوا أبناءه. فرّطوا في سيادته حتى صار كجارية في سوق نخاسة، تتقاذفها الأيدي وتنهشها الأطماع. ثم يرفع المتاجرون بالدين راية الله فوق مخدعها!

أي شريعة تلك التي يُهجَّر بسببها نصف الشعب، ويُترك نصفه الآخر يتأرجح بين الرصاص والجوع والوباء؟ أي شريعة تلك التي لا تُبقي للإنسان كرامة، ولا للحياة قداسة؟ وأي إله هذا المتعطّش لكل هذه الدماء؟ هل يعبدون ما نعبد؟ أهو الله الرحمن الرحيم؟ أم الشيطان الرجيم؟

إن ما نشهده اليوم هو حصاد زرعنا. وثمرة جبن وتخاذل النخب – منذ الاستقلال وحتى الثورة – عن مواجهة قضية علاقة الدين بالدولة وحسمها بحزم وشجاعة. فما يُسمّى بدولة “الشريعة” – في أي مكان وزمان – ليس سوى دولة داعش. بل إن التنظيم الإرهابي القائم اليوم هو الممثل الأوحد، والنموذج الأصدق، لما يُسمّى بدولة الشريعة. فالشريعة هي داعش، وداعش هو الشريعة. تلك هي الحقيقة المرّة التي يهرب منها الكثيرون: فإما أن نمتلك الجرأة لنقيم الدولة المدنية التي نرفعها شعارًا وننزّلها واقعًا على الأرض، أو نسلّم رقابنا ونقبل بدولة شريعة الداعشي محمد الأمين؟

السودان اليوم على مفترق مصيري: إما أن يُهزم هؤلاء الطغاة المهووسون الذين جعلوا من الدين قناعًا للذبح، وإما أن يُستباح الوطن تحت ركام أكاذيبهم.
لكن التاريخ علّمنا أن الدماء الطاهرة لا تذهب هدراً. وأن الشعوب التي أنجبت ثورات الحرية لا تُستباح إلى الأبد. سينهض السودان من بين الركام. وسيُكتب على جبين دواعشه سطر العار الأبدي: منبوذون إلى أن ينطفئ الزمان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار