ليس كل ما يُكتب يُعد فكرًا، ولا كل من حمل لقب “المفكر” يستحقه. فحين يغدو القلم خادمًا للسلطة، ويُستبدل النقد الحر بالتبرير الرخيص، تتحول الفكرة إلى عبء على صاحبها أكثر مما تكون قولًا في الشأن العام.
في مقاله الأخير قدّم الدكتور عبد الله علي إبراهيم مثالًا صارخًا على هذا الانحدار، إذ حاول أن يكسو مشهدًا عابرًا من زيارة المفكر الفرنسي المعروف برنار ليفي إلى بورتسودان نهاية الشهر الماضي ولقائه بالبرهان بثوبٍ من الديمقراطية، معتبرًا إياه استفتاءً عمليًا على شعبية الفريق عبد الفتاح البرهان، بل وعلى معنى الديمقراطية ذاتها!
المشهد الذي اجتزأه عبد الله علي إبراهيم من حديث برنار ليفي عن الزيارة هو تلك اللحظة العابرة التي التقط فيها بعض المواطنين صورًا شخصية (سيلفي) مع البرهان خلال جولته مع ليفي في كورنيش بورتسودان، فرأى فيها عبد الله ما يكفي لتفنيد مقولات “خصوم البرهان” الذين يصورونه قائد انقلابٍ معزولًا شعبيًا!
إذن نحن أمام معادلة حسابية جديدة من اكتشاف “مفكر العسكر”، مفادها: ديكتاتور + جمهور وصور سيلفي = رئيس ديمقراطي!
وإذا كان الأمر كذلك، فإن “كيم جونغ أون” ذلك الكوري القصير المكير، الذي يصفّق له الشعب بأسره في غدوه ورواحه، يصبح – وفقًا لنظرية مفكر العسكرتاريا الجديدة – هو “توماس جيفرسون” عصرنا ومؤسس الفكر الديمقراطي الحديث!
مكمن الخلل في قراءة عبد الله علي إبراهيم أنه مراوغ ومحتال، يحاول اختزال الديمقراطية في تعبير فردي عابر، بينما هي في بداهاتها؛ منظومة مؤسسية متكاملة تقوم على الشرعية الدستورية، والفصل بين السلطات، والتداول السلمي للسلطة، وضمان الحريات العامة. فليس كل تصفيق عابر أو صورة طارئة يرقى ليكون تجسيدًا لإرادة شعب أو عقدًا اجتماعيًا.
إن مثل هذه المقاربات، إذ تكشف ضعفًا أخلاقيًا فادحًا عند عبد الله علي إبراهيم، فإنها تفضح أيضًا وهنًا في أدوات النقد لديه. فالمفكر حين ينغمس في تبرير وضع سلطوي من خلال حدث سطحي، كما فعل، إنما ينقل النقاش من جوهر الديمقراطية – أي المؤسسات والشرعية – إلى قشورها الزائلة: الانطباعات و”السيلفي”!
إن تصوير البرهان كـ “شخصية شعبية” يُغفل حقيقة كونه رأس انقلاب عسكري أطاح بالمسار الديمقراطي. والسؤال الحقيقي ليس: هل التقط الناس صورًا مع البرهان؟ بل: هل أعاد البرهان السلطة إلى الناس؟ وهل أوقف الحرب التي قتلت الناس وشرّدت الناس وجوّعت الناس؟
هكذا يتبدّى عبد الله علي إبراهيم لا بوصفه مفكرًا، بل كاتبًا مأجورًا للسلطة، يزيّن القبح ويصنع من الوهم شرعية. إن اختزاله للديمقراطية في صورة عابرة ليس مجرد خطأ في الفهم، بل سقوط أخلاقي وفكري مدوٍّ، يفضح انتماءه: القومي/ الكيزاني/ العسكري.
وهكذا هي نهايته الحتمية: أن يسقط من مقام المفكر إلى درك المبرّر، ومن علياء النقد إلى قاع التبعية! بئس القلم، وبئس الفكر، وبئس المفكر.