السودان

عن الدور المصري في حرب السودان: هل تساهم القاهرة في إعادة هيكلة جيش البرهان؟

تقرير: راينو

في خضم الحرب الطاحنة التي تعصف بالسودان، أصدر القائد العام للجيش السوداني الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، حزمة قرارات عسكرية استثنائية أعادت تشكيل هرم القيادة في الجيش السوداني. شملت هذه القرارات تعيين رئاسة أركان جديدة وإحالة عدد من كبار الضباط إلى التقاعد، في خطوة فسرها مراقبون بأنها تهدف إلى تثبيت نفوذ البرهان وتوحيد القرار العسكري. إلا أن خلف الكواليس، يتساءل محللون عن مدى تأثير الشريك الاستراتيجي الأبرز للجيش السوداني، جمهورية مصر العربية، في صياغة هذه القرارات المحورية.

 لماذا تدعم مصر جيش البرهان؟

تُعد العلاقة بين القاهرة والخرطوم، وتحديداً بين المؤسستين العسكريتين، علاقة معقدة ومتجذرة في التاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة. وفي حين أن مصر تظهر على المستوى الرسمي التزاماً بالدعوة لوقف إطلاق النار والحل السلمي، إلا أن العديد من التقارير والمعطيات تشير إلى دورها المحوري في دعم جيش البرهان، خاصة في مواجهة قوات “الدعم السريع”.

ويذهب المحلل الاستراتيجي والخبير الأمني عبد الوهاب الشيخ في حديثه لـ”راينو” إلى أن قراءة عمق التأثير المصري على قرارات البرهان يستلزم استيعاب دوافع القاهرة في دعم الجيش السوداني، وقال: “هذا الدعم يتجاوز مجرد توفير غطاء سياسي إقليمي بل هو ضرورة استراتيجية قصوى تخدم مصالح الأمن القومي المصري في عدة أبعاد سواء الأمن على الحدود الجنوبية، حيث تمتلك مصر حدوداً شاسعة مع السودان، وأي فوضى أو انهيار في الدولة السودانية يمثل تهديداً مباشراً لأمنها القومي”. وأضاف: “القاهرة ترى أن انهيار الجيش يترك فراغاً أمنياً هائلاً يمكن أن تستغله الجماعات المتطرفة والمهربين، وهو ما قد يزعزع استقرار مصر”.

وأكد عبد الوهاب أن هناك ملف المياه أيضاً، إذ تخشى مصر من تغيير موازين القوى في حوض النيل، مما قد يهدد حصتها من المياه. لذا، فوجود جيش سوداني قوي ومستقر هو ضمانة أساسية لعدم تحول السودان إلى ساحة خلفية يمكن استخدامها للضغط على مصر في هذا الملف الحساس”.

وشدد الخبير الأمني على أنه وبناءً على هذه المعطيات، فإن أي خطوة يتخذها البرهان لتعزيز سيطرة الجيش على الأراضي وتوحيد قيادته تخدم بالضرورة المصالح المصرية بشكل مباشر.

 بصمة المصالح المصرية:

من جانبه يرى مصدر عسكري رفيع في حديثه لـ”راينو” أن الاستغراب والاستفهام حيال أي دور لمصر في إدارة البرهان للملف العسكري والسياسي في السودان يستوجب الدهشة، وقال: “المعلوم أن مصر، غض النظر عن التراجعات التي حدثت خلال آخر سنوات مبارك في الاهتمام بالملف السوداني، إلا أنها عادت بقوة عقب ثورة ديسمبر خوفاً من انتقال عدوى تلك الثورة والتعطش الديمقراطي للشارع المصري، المحكوم منذ عقود بالجيش”.

وأضاف: “مصر لا تظهر بشكل مباشر في توجيه القرار العسكري لكنها دوماً توحي للبرهان بأنه مستهدف ما لم يتبن خططها وتكتيكاتها، وآخرها التحركات الداخلية داخل الجيش وحالة التململ لدى جناح الإسلاميين العسكري خوفاً من وقف الحرب في مواجهة “الدعم السريع”، والجنوح للسلم بالضغوط الدولية”. وأضاف: “وهو ما أكدته القاهرة للبرهان خصوصاً منذ وجوده محاصراً داخل القيادة العامة”.

ويذهب المصدر إلى أن قرارات البرهان الأخيرة اعتبرها البعض نوعاً من تحرير الجيش من قبضة الإسلاميين واستدرك: “لكن الحقيقة هي أن القاهرة طالبته بتحسس سلاحه خوفاً من تحركات الإسلاميين داخل الجيش خصوصاً عقب خفوت صوت المعارك في الوسط والشمال، وسعيهم لتغييره في سياق عودتهم للسلطة مجدداً”.

وشدد المصدر على أن القاهرة طالبته نصاً بتنظيف مكتبه، وبررت ذلك بالانحناء للضغوط الأمريكية عقب لقاء البرهان بمستشار الرئيس الأمريكي ورفضه لوجود الإسلاميين ضمن المشهد القادم وأضاف: “واشنطن والقاهرة في هذه الخطوة بدتا متناغمتين إذ أن مخاوف القاهرة ليست منصبة على إسلاميي السودان بقدر ما أنها منصبة على ضرورة بقاء البرهان الذي أضحى لعبة طيعة في يدها، كما أن واشنطن قدمت السبت عبر تصريحات وزير خارجيتها اتجاهاً نحو تصنيف الإسلاميين كمنظمة إرهابية، وهو ما شجع البرهان على اتخاذ هذه الخطوة”.

وكشف المصدر عن أن البرهان أيضاً له قراءاته الداخلية وقال: “تزايد عدد الميليشيات التابعة للإسلاميين وتحمل السلاح ليست بسيطة، فهناك متحركات (مسك الختام)، وفيلق (البراء بن مالك)، وما يعرف بـ(قوات العمل الخاص)، وميليشيا (البنيان المرصوص)، و(البرق الخاطف)، و(أسود العرين)، و(كتائب النخبة) وغيرها مما أنجبتهم الحركة الإسلامية لابتلاع الجيش”.

وتابع: “لكن الأخطر من كل ذلك هو (درع السودان) التي يقودها كيكل إذ أن سيطرة الإسلاميين بدت واضحة في تحريك تلك القوات، مما يشير إلى إمكانية المواجهة بين الجيش وكل تلك القوات خصوصاً في ظل ضعف منظومة السيطرة والتحكم لدى الجيش وانتشار السلاح، وتحكم تلك الميليشيات في المناطق والمدن الموجودين فيها”. معتبراً أن قرار البرهان الأخير بخضوع كل التشكيلات لقانون الجيش هو محاولة منه للسيطرة على هذه الميليشيات الإسلامية وليس الحركات المسلحة.

تحليلات خطوات الجنرال:

تحليلات كثيفة ترى أن بعض القيادات العسكرية التي تم استهدافها بالإطاحة كالفريق عباس حسن الداروتي، والفريق عبد المحمود حماد حسين، والفريق الطاهر محمد العوض الأمين ربما كانوا مرتبطين بولاءات للإسلاميين، أو لهم رؤى تكتيكية أو سياسية لا تتوافق مع التوجه الجديد الذي يسعى إليه البرهان بتنسيق مع داعميه الإقليميين. ويذهب المحلل السياسي عمر سفيان سالم في حديثه لـ”راينو” إلى أن القاهرة ربما نصحت البرهان بتوحيد القيادة وتصفية أي عناصر قد تشكل عقبة أمام الخطط المستقبلية.

على سبيل المثال، قد يكون لبعض هؤلاء الضباط علاقات متذبذبة مع القاهرة، أو كانت لهم أدوار في مرحلة سابقة من تاريخ السودان لم تلق رضا الدوائر الأمنية المصرية، بالتالي فإن إحالتهم للتقاعد، حتى مع ترقيتهم كبادرة تقدير، تسمح للبرهان بتشكيل قيادة جديدة “نظيفة” وتتمتع بثقة كاملة من قبل الحلفاء الخارجيين.

وأضاف: “يُعد تعيين الفريق محمد علي أحمد صبير رئيساً لهيئة الاستخبارات العسكرية خطوة مفصلية، إذ أن القاهرة تولي أهمية قصوى لملف تبادل المعلومات الاستخباراتية مع حلفائها، بالتالي من المرجح أن يكون هذا التعيين تم بالتنسيق مع جهاز المخابرات العامة المصرية، لضمان وجود شخصية موثوق بها يمكنها التنسيق بفاعلية وتبادل المعلومات الحساسة حول تحركات “الدعم السريع” وحلفائها الإقليميين”.

واعتبر سفيان أن بروز النفس المصري في خطوات البرهان الأخيرة تبدو كرسالة غير مباشرة برفض اليد البيضاء التي مدها “الدعم السريع” للقاهرة عقب سيطرته على المثلث الحدودي، مما يجهض أي رؤى مستقبلية للتقارب.

في نفس التوقيت الذي كانت فيه قرارات إعادة الهيكلة الداخلية تتوالى، أو بعد أقل من 48 ساعة من تسريب لقاء سري ومثير للجدل جمع البرهان بمستشار الرئيس الأمريكي ، دونالد ترامب، مسعد بولس في سويسرا. يرى العديد من المحللين العسكريين والسياسيين أن هذا اللقاء ليس صدفة، بل هو جزء من استراتيجية مزدوجة ومحكمة للبرهان، هدفها تثبيت وتوحيد نفوذه داخل المؤسسة العسكرية لتعزيز موقفه على الساحة الدولية وفتح قنوات دبلوماسية بديلة.

وجهة نظر مغايرة.. “خدعة الجيش”:

بينما يرى البعض في هذه القرارات خطوات استراتيجية مدروسة، يذهب الكاتب منعم سليمان في مقال نشره “راينو” إلى أن ما حدث “خدعة الجيش، واستبدالاً للتماسيح بالثعابين”.

ويرى سليمان أن إحالة نحو تسعين ضابطاً من رتبة فريق إلى عميد إلى التقاعد، وفقاً لتقديراته، هو خروج للاسلاميين من الباب ليُدخل 15 ألفاً دفعة واحدة من الشباك وهو ما يقصده بوضع كل تشكيلات الإسلاميين داخل الجيش بخضوعهم له بموجب قرارات البرهان الأخيرة”.

ويبقى السؤال الأهم معلقاً: هل ستنجح مصر في تأمين ظهر البرهان، أم أنها ستزيد من تعقيداته وتدفع به نحو مستقبل أكثر غموضاً؟ خصوصا في ظل تصاعد المعارك العسكرية حول مدن استراتيجية بين الجيش والدعم السريع؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار