في الخرطوم ما بعد انسحاب قوات الدعم السريع، كان يفترض- نظرياً وبناء على الإعلام المكثف للغرف الإعلامية الكيزانية التي نسبت جميع الانتهاكات والموبقات لقوات الدعم السريع – كان يفترض أن تنقشع سحابة الرعب، وأن تستعيد المدينة أنفاسها، لكن الواقع كشف وجهًا آخر للمأساة: جيشٌ يملأ الفراغ الأمني لا بالحماية، بل بانتهاكات فجّة، تُقوّض ما تبقى من ثقة المواطنين في المؤسسة العسكرية.
تقارير منظمات دولية ومحلية، مثل “تحالف السودان للحقوق” و”هيومن رايتس ووتش”، وثّقت عشرات الحالات التي شارك فيها جنود بزي القوات المسلحة السودانية في اقتحام منازل، ونهب ممتلكات، وترويع السكان في وضح النهار، في أحياء مثل الكلاكلة والصحافة والحتانة وشرق النيل. هذه الوقائع لم تُقابل بأي تدخل رسمي أو محاسبة، ما يعزز فرضية “الصمت المؤسسي” والتواطؤ الضمني داخل الجيش.
شهادات المدنيين تضيف بعدًا أكثر قتامة. سكان أمدرمان والخرطوم تحدثوا عن عمليات نهب منظمة عقب انسحاب الدعم السريع، نفذها جنود الجيش أنفسهم، وأحيانًا ميليشيات محلية متحالفة معه، بينما تُنسب كل الفوضى إلى خصم الأمس، في عملية تزييف ممنهجة للواقع. الأمر تجاوز النهب إلى إنشاء مراكز احتجاز غير رسمية، كشفت عنها “ذا غارديان” البريطانية، حيث احتُجز مدنيون بلا تهم واضحة، وتعرضوا للتعذيب وسوء المعاملة.
في قلب العاصمة، وقعت حوادث مروّعة بعد انسحاب الدعم السريع، أبرزها ما جرى في أحياء بري وشرق النيل، حيث أفاد شهود عيان بعمليات اقتحام واعتقال نفذتها وحدات عسكرية مدججة بالسلاح، تبعها نهب واسع للمنازل والمتاجر، واعتداءات بالضرب على السكان أمام ذويهم. وفي منطقة الصحافة، حاصرت عربات عسكرية عدة مربعات سكنية بحجة “التفتيش الأمني”، لكن العملية تحولت إلى حملة مصادرة ممتلكات وأموال، وسط غياب أي مسار قانوني أو تدخل من السلطات القضائية. هذه المشاهد، التي جرت على مرأى من الأحياء، عمّقت التساؤلات حول ما إذا كان الجيش يسعى فعلاً لاستعادة النظام أم لتكريس هيمنته على المدنيين.
حالة الانفلات الأمني ليست مجرد فراغ تتركه الحرب، بل نمط متكرّر من السطو والابتزاز تمارسه أطراف ترتدي الزي الرسمي للجيش. . في سوق ليبيا، يصف الباعة كيف تأتي مجموعات مسلحة على متن ركشات ودراجات نارية، تفرض “مساهمات للدولة” على شكل نهب علني. وفي نقاط تفتيش وهمية، يُجبر المدنيون على دفع مبالغ مالية مقابل المرور، في مسرحية أمنية لا تقل خطورة عن الجريمة نفسها.
الأدهى أن هذه الانتهاكات تحدث أحيانًا في مناطق لم تشهد وجودًا فعليًا للدعم السريع، ما يسقط الذريعة السهلة التي يبرر بها الجيش والكيزان التجاوزات. هنا يبرز نمط آخر؛ تحميل كل الفوضى لخصم مُنسحب، بينما الفاعل الحقيقي يختبئ خلف شارة الجيش أو شارة مليشيا متحالفة معه.
في ظل غياب الشرطة وتعطل النيابة والقضاء، يصبح المدنيون في مواجهة مباشرة مع قوة مسلحة بلا رادع، يختلط فيها النظامي بالمجرم، والزي الرسمي بالعصابات. هذا الانهيار في خطوط السلطة والشرعية لا يعكس فقط فشل الدولة في حماية مواطنيها، بل يعيد تعريف العلاقة بين الجيش والمجتمع على نحو خطير: من مؤسسة يفترض أن تذود عن الأمن العام، إلى لاعب مركزي في إنتاج الخوف والفوضى.
إن استمرار هذه الانتهاكات، في غياب محاسبة حقيقية، لن يترك للخرطوم سوى واقعٍ أكثر قسوة، حيث يصبح الأمان سلعة نادرة، ويظل الحامي والجلاد وجهين لعملة واحدة.